حين كبرت وحدى بقلم نرمين همام


ذلك حذفت الجميع. أمي أخواتي إخوتي. أغلقت الباب على كل شيء.
أبي كان يتصل يوميا يعاتبني يقول إنني أحرجته إنني خيبت ظنه وإن رضاه عني مشروط بعودتي إلى القرية. قال لي إنه لن يرسل لي مصروفا بعد اليوم. أغلقت الهاتف وأنا في أول أيام الدراسة بلا سند بلا مال بلا عائلة.
في تلك الأيام فكرت في المۏت. فكرت في الاختفاء. لكنني تشبثت بالحياة كما تشبثت بها طفلة في مزرعة جدتي. قلت لنفسي أنت قوية يا خلود مهما كان الألم.
تذكرت ثماني سنوات من عمري وأنا أخدمهم جميعا أضحك لهم أحتضنهم أوزع الحب ولا أتلقى سوى التجاهل.
وتذكرت كيف علمت بزواج أخواتي من خلال واتس.
وتذكرت أنني لم أكن يوما ابنتهم بحق.
كانت أحداث زواج عهد أول اختبار حقيقي لمدى هشاشتي أمامهم.
قبل الزفاف بأيام في يوم جمعة سألت أمي بهدوء ممتزج بشيء من العتاب لماذا لم يخبروني بالموعد منذ البداية ولماذا تدار الأمور وكأنني بعيدة عنهم تماما فأجابتني ببرود معتاد وكأن الأمر لا يستحق الشرح.
إنت بعيدة يا بنتي ومش لازم تيجي علشان يوم واحد ونعوضك إن شاء الله في عيد الفطر نعمل لعهد حفلة وتكوني حاضرة فيها.
قلت لها وأنا أبتلع خيبتي
مش محتاجين تعملوا حاجة عشاني ربنا يبارك لها وخلاص.
وفي العام التالي جاء زواج عهد فعلا. هذه المرة دعوني وكان الزفاف في القاهرة. أبي حجز لي تذكرة في اليوم نفسه وأصر أن أعود في اليوم التالي مباشرة بحجة أن جدتي لا يجوز أن تترك وحدها.
ذهبت. كانت أمي قد خاطت لي فستانا وحجزت لي في صالون تجميل. كنت لأول مرة أشعر أنني أعامل فعلا كأخت العروس كأنثى كاملة. كنت جميلة. لم أكن أقل من أخواتي لكنني كنت أحتاج كلمة واحدة من أمي نظرة رضا عبارة صغيرة تقول لي إنني كافية إنني أستحق هذا الاهتمام.
في تلك الليلة شعرت أنني أملك الدنيا.
حضرت زواج أختي وكان أول زفاف أحضره في مدينة كبيرة لا في القرية. كل شيء كان فخما مترفا متكلفا حضور لشخصيات معروفة لنساء لهن هيبة ومكانة بسبب خالاتي. كنت مبهورة لكنني كنت منكسرة في داخلي. جلست أغلب الوقت وحدي لا أختلط بأحد ليس لأن أحدا أساء إلي بل لأنني كنت مکسورة من قبلهم أشعر أنني مختلفة أقل غريبة وأن جلوسي بينهم قد يحرجهم.
بعد ذلك عدت إلى جامعتي.
عشت خمس سنوات كاملة لا أعرف أخبار أهلي إلا من خلال واتس رغد. أرى زواج أخي. أرى أن عهد أنجبت طفلها الثالث. أرى حفل تقاعد أبي. وأبي في تلك الفترة كان قد قطع المصروف تماما لكن الجامعة كانت تصرف لي مبلغا يكفيني.
ثم جاء الخبر الذي كسر ظهري ۏفاة جدتي.
انهرت. لم يخبرني أحد. علمت من واتس رغد. وحتى هي لم تكلمني. كانت أحيانا ترد على تعليقاتي وأحيانا لا تفتحها أصلا.
بعد تخرجي زميلاتي في الغربة عملوا لي حفلة. لأول مرة أضع صورة لي على حاله ال واتس. رغد شاهدتها ولم تعلق.
لا تسأليني لماذا كنت أربط حياتي بهم هذا ۏجع لا يشرح.
ثم توظفت معيدة في الجامعة. تحسن وضعي. استأجرت
شقة مع زميلة لي. وجدت بشړا يحبونني. طالباتي لا ينظرن إلي كأستاذة فقط بل كصديقة. في يوم المعلم قرأت كلمات لم أسمعها في حياتي إلا من أبي وجدتي. كنت أبنى من جديد.
ثم جاءت الصدمة من حيث لا أتوقع.
ابنة عمي التي كانت طفلة يوم رحلت دخلت الجامعة التي أعمل بها. رأيتها أحببتها شعرت بدفء غريب. ناديتها
يوما وقلت لها
أنا
خلود .
نظرت إلي