حين كبرت وحدى بقلم نرمين همام


وخرج السؤال من فمي كچرح مفتوح
يا جدتي ليه أنا
سكتت لحظة ثم شدت الغطاء علي بحنان وقالت بصوت خاڤت
ربنا كاتب لك طريق غيرهم يا بنتي.
لكنني لم أفهم وقتها معنى الطريق ولا معنى الاختيار.
كانت نشأتي بعيدة تماما عن أي معرفة بأنوثة البنات أو تفاصيل العناية بالنفس. لم تكن لدي أي خلفية عن ذلك ولا جدتي كانت تعرف من شؤون الحياة سوى الكفاح والعمل اليومي في الأرض. كنت أرى أختي التوأم عهد كأنها لوحة من الجمال شعرها طويل ناعم بشرتها مشرقة ملامحها أنثوية مكتملة بينما أنا رغم أن شعري كان طويلا وكثيفا كنت أتركه نهبا للغبار والشمس والإهمال أركض بين الغنم والدجاج منذ طفولتي فترك ذلك أثره علي بوضوح. ومع هذا كله لم أكن أدرك أنهن أجمل مني لم يخطر ببالي يوما أن أقارن كنت ساذجة أعيش بمشاعر مبالغ فيها أفرح بقدوم الجميع وأعتبر نفسي مسؤولة عن إسعادهم.
في أحد أيام العيد كنت أتنقل بين أرجاء البيت أضع الأطباق أشعل الموقد وأراقب بعيني المشهد الذي يتكرر كل عام وكأنني جزء منه لا يرى.
خلود حطي القهوة هنا.
حاضر.
خلود فين الشاي
حاضر.
خلود روحي هاتي الصحون.
كنت أتحرك بينهم بلا توقف ألهث من كثرة الحركة وقلبي ممتلئ برغبة طفولية في أن يكون الجميع راضين وسعداء.
في صباحات العيد كانت البيوت تمتلئ بأصوات الفرح ضجيج المجففات ضحكات البنات طلبات المكياج تبادل العطور أجواء احتفال مكتملة. أما أنا فكنت أبدأ يومي في المطبخ أعد الإفطار وأغسل الصحون وأرتب الموائد للرجال والنساء وأتنقل بين إعداد القهوة والشاي وكل ذلك وأنا بملابس النوم شعري مرفوع بشكل فوضوي متعبة ولا أحد يلتفت إلي أو يقول لي حتى كلمة واحدة بدلي ملابسك اعتني بنفسك استعدي للعيد.
كنت أسمع أصواتهن من الغرفة المجاورة ضحكات تعليقات حماس.
هاتي المسكرة من الشنطة.
فين البرفان
إنت خلصتي مكياجك
لا لسه شوية.
وأنا وحدي في المطبخ أعد العالم لهم ولا أعد نفسي.
لو اعجبتك ابحث عن صفحتي الكاتبه نرمين عادل همام
وأنا أقف خلف باب المطبخ أمسح يدي في المئزر وأحدق في انعكاسي المرتجف على زجاج النافذة أقول لنفسي بصمت ينهش القلب المهم إنهم مبسوطين.
كنت أظن أن ما أفعله هو الصواب وأن العيب كل العيب أن يعودوا فيجدوا البيت فوضى وأن تتقدم راحتي على راحتهم. كنت أتحمل مسؤولية منزل كامل وأنا في السادسة عشرة بينما أرى بنات عمومتي وأخواتي يتحدثن عن المكياج والمدارس والبرامج والاهتمامات وأشعر أنني أعيش في عالم آخر لا يشبه عالمهن في شيء.
وفي إحدى المرات جلست بجوارهن حملت زجاجة طلاء الأظافر ووضعتها على أصابعي بحماسة بريئة كطفلة تظن أن خطوة صغيرة قد تجعلها تنتمي.
بصوا حلو كده
يا نهار أبيض خلود بتحط مناكير!
بصوا ضوافرها كلها تراب.
تعالت الضحكات وجلست أخواتي معهن يضحكن أيضا كأنني لم أكن بينهم كأنني لم أكن واحدة منهن. لم يدافع عني أحد ولم أسأل أحدا لماذا لكن السؤال ظل محفورا في داخلي إلى الأبد.
كبرت وأنا أعيش هذا التناقض المؤلم أنا أراهن جميلات ناجحات مدللات وهن ينظرن إلي ككائن غريب عن عالمهن لا ينتمي إلى صورته ولا لغته ولا أحلامه الكاتبه نرمين عادل همام 
ومع مرور الوقت دخلت مرحلة الوعي المؤلم. بدأت أرى الفرق الحقيقي بين حياتي وحياتهن بين غرفتي الصغيرة في بيت جدتي التي لا تحوي سوى سرير وخزانة ضيقة وملابس قليلة وغرفهن الفاخرة الممتلئة بالعطور والملابس
والمجوهرات والذكريات والهدايا. ورغم ذلك كنت في داخلي ما زلت بريئة أفرح لفرحهن وأقارن في صمت دون حسد دون كراهية بل
بدهشة
حزينة