حين كبرت وحدى بقلم نرمين همام


تشبه الوقوف أمام مرآة لا تعكس ملامحك.
شرفوني في صفحتي الكاتبه نرمين عادل همام 
وحين ذهبت إلى بيت أهلي بعد غياب خمسة عشر عاما استقبلني أبي بحنان كاد يعوض سنوات الحرمان دفعة واحدة.
نورتي بيتك يا بنتي.
وحشتني يا بابا.
أما أمي فاحتضنتني وبكت ولأول مرة شعرت أن لي أما حقا.
وحشتيني قوي يا خلود.
وأنا كمان قوي.
لكن أخواتي بقين كما هن سلام بارد مسافات صامتة أبواب تغلق في وجهي وأحاديث تقصى عنها.
كنت أرى بوضوح أنني لا أنتمي إلى عالمهن وأن السنوات التي عشتها بعيدا صنعت بيننا مسافة لا تردم بسهولة مسافة من الصمت والاختلاف والغياب الطويل.
في صباح اليوم التالي حين طلبت أمي من أخواتي الاستعداد للسفر إلى القاهرة لم أكن أملك سوى حقيبة صغيرة تضم بضع قطع قديمة من الملابس.
سيبي الشنطة دي.
ليه
خدي من هدوم عهد.
للمرة الأولى في حياتي ارتديت فستانا أنيقا. نظرت إلى نفسي في المرآة بدهشة صامتة كأنني أكتشف شخصا آخر لم أعرفه من قبل.
حتى في تلك اللحظة الأولى لم أحتج إلى أن ينطق أحدهم بما يشعر نظرات أخواتي كانت كافية تبادلوا النظرات كتموا الضحكات وظهرت تلك الابتسامات الجانبية التي لا تخطئها العين. كنت واقفة أمام المرآة وفي صدري خليط غريب من الفرح والارتباك يشبه خوفا جميلا من حياة لم أختبرها من قبل.
دخلت أمي فجأة وقالت بلهجة سريعة حاسمة
يلا اخلعي الهدوم دي وخدي دش.
مدت لي أشياء لم أعرف أسماءها يوما كريمات عطور مستحضرات وطلبت من العاملة أن ترتب حاجبي وتسرح شعري. وقفت أمام المرآة أراقب الخصلات وهي تتحول بين يديها من شيء مهمل إلى لوحة ناعمة كثيفة براقة وفي تلك اللحظة وحدها شعرت بالغبن غصة حادة صعدت إلى حلقي وأنا أرى نفسي جميلة لأول مرة في حياتي جميلة على نحو لم أعرفه من قبل.
وضعت أمي بعض المكياج على وجهي علقت في عنقي إكسسوارا أنيقا ناولتني حذاء وحقيبة مرتبة ثم خرجنا إلى الطريق.
في السيارة كنت غارقة في نشوتي الجديدة. أتحدث مع عهد فلا تلتفت أوجه حديثي إلى رغد فتبتسم وتجاوبني وكأنني أمسك بالفرح من أطرافه لأول مرة. كنت أراقب ملامحها وهي تحكي لي عن مدرستها وصديقاتها وأهز رأسي بإعجاب وفي قلبي فرح لا يشترى بمال الدنيا.
المدرسة عملت لنا مفاجأة الأسبوع اللي فات.
بجد احكيلي احكيلي.
وصلنا إلى القاهرة وكان الاستقبال صاخبا بالحب والدهشة. جدي وجدتي وخالاتي التفوا حولي عناق طويل كلمات دافئة نظرات فخر. لأول مرة أشعر بهذا الاحتواء بهذا الدفء الذي يشبه العائلة حقا.
إلى أن انطلقت فجأة عبارة عهد كسهم أصاب صدري
دي ملابسي والشوز بتاعي والشنطة بتاعة رغد.
ساد صمت ثقيل للحظة. تجاهلت خالتي كلامها عمدا وأكملت الحديث معي بنبرة دافئة بينما كانت أمي ترمق عهد بنظرة حادة صامتة تأمرها أن تصمت.
في الليل سمعت صوت عهد يتسلل من الغرفة المجاورة همسات ثم كلمات واضحة. كانت تحكي عني تصفني بالجهل والإهمال تقول إنني لا أعرف كيف ألبس ولا أنظف نفسي وإن أمي اضطرت إلى تهيئتي حتى لا يقال إنها أهملتني.
كنت أقبض على الغطاء بقوة أشعر بالكلمات كسكاكين تغرس في صدري ولم أستطع أن أواجه فقط بكيت بصمت.
وفي الصباح أعلنوا الذهاب إلى السوق. دفعتني أمي مبلغا صغيرا وهمست لي أن أشتري ما أحب لكنني خرجت معهم كمن يمشي خارج المشهد. أخواتي يتنقلن بين المحلات يضحكن يختارن يتبادلن الآراء وأنا خلفهن أركض أراقب من بعيد كأنني ظل لا يرى.
حين عدنا إلى البيت سألتني جدتي بلطف
ها يا خلود ليه ما اشتريتيش حاجة
وقبل