الرقصه التى أنقذت الطفل

صدر صوت بكاء خاڤت من الطابق العلوي.
توقفت أماندا عن التنظيف وأصغت.
استمر الصوت كان بكاء طفل.
صعدت السلالم تتبع خيط الصوت حتى وصلت إلى الممر وهناك رأت صبيا جالسا على الأرض عصا بيضاء. كان يرتدي نظارات داكنة ودموعه تنزل بصمت.
قالت بلطف
مرحبا صغيري هل أنت بخير
رفع رأسه على الفور.
من هناك
أنا أماندا. وأنت
بنجامين قال وهو يمسح أنفه بكمه.
كنت أريد الذهاب لأحضر ماء من الأسفل لكنني خفت أن أسقط عن الدرج.
مدت أماندا يدها نحوه
تعال معي لن أدعك تسقط أعدك.
في المطبخ ناولته كوبا من الماء ووقفت تراقبه وهو يشرب ببطء.
سألته بابتسامة
هل تحب الموسيقى يا بنجامين
أجاب بصوت منخفض
أحبها كانت أمي تغني لي.
ثم خيم الحزن على ملامحه.
لكنها رحلت.
أخرجت أماندا هاتفها وشغلت موسيقى هادئة.
اسمع هذه إنها جميلة.
أضاءت عينا بنجامين من خلف النظارات.
يبدو كصوت طائر يغني.
قالت بلطف
هل تريد أن نرقص كل الناس يستطيعون الرقص الموسيقى تسمع بالقلب لا بالعينين.
أنا لا أعرف كيف أرقص.
سأعلمك.
أمسكت بيديه وبدأت تتحرك بهدوء يمينا ويسارا. ثم رفعت ذراعيه قليلا كما لو أنهما جناحان.
تخيل أنك طائر يطير في السماء.
ابتسم بنجامين ابتسامة كبيرة
أنا أطير فعلا!
راحا يرقصان في غرفة الجلوس وأماندا تصف له الصور كأنها ترسم في الهواء
أنت الآن فوق الغيوم
والآن تنخفض قليلا تقترب من الأزهار
ضحك بنجامين بحرية يتحرك بلا خوف والموسيقى تدفئ المكان كله.
كانا يرقصان كأنهما صديقان منذ زمن بعيد.
وكان بنجامين سعيدا يملأ المكان كله بحضور لم يظهر منذ شهور.
وفجأة فتح باب المنزل الأمامي.
دخل دييغو حاملا حقيبته بملامح رجل في الخامسة والثلاثين أثقلته الحياة والعمل والهروب من ذكرياته.
توقف في مكانه متجمدا.
كان يرى ما لم يره منذ زمن طويل
ابنه الذي بالكاد يتحدث معه منذ أشهر يرقص بلا خوف وبابتسامة حقيقية مع عاملة النظافة.
ابتسم بنجامين بطريقة لم يرها دييغو منذ وقت طويل. امتلأت عيناه بالدموع. كانت تلك أول مرة يبتسم فيها بنجامين منذ ۏفاة أمه. وقف دييغو في مكانه يراقب ابنه يرقص. الذكريات هاجمته بقوة. عاد عقله سنتين إلى الوراء إلى المستشفى. هيلينا على السرير ضعيفة جدا بعد الحاډث.
قال الأطباء إنها لن تتحمل.
همست بصوت مبحوح
دييغو لازم أقول لك شي.
خلصي لا تتكلمي
قال الأطباء إنها لن تتحمل.
همست بصوت مبحوح
دييغو إذا صار لي شيء أرجوك لا تترك بنجامين وحده.
لا تقولي هذا الكلام الآن
تنفست بصعوبة وتابعت
ما كنت أما مثالية ولا زوجة مثالية لكني أعرف شيئا واحدا أنت أفضل أب يمكن أن يحصل عليه. لا تسمح للحزن أن يأخذك منه.
حاول أن يبتسم رغم الألم
لن يأخذني شيء منه ولا منك.
لكن القدر كان أسرع. رحلت هيلينا بعد ساعات قليلة وبقي دييغو وحيدا مع طفل يحمل ملامحها وصوتها وذكراها.
منذ ذلك اليوم كان كلما نظر إلى بنجامين رأى فيه ألم الفقد كل ابتسامة من الصبي كانت تذكره بما خسره لا بما يملكه.
حاول أن يكون أبا جيدا لكن الحزن كان أثقل من قدرته على التعبير عن الحب. استأجر مربية تلو أخرى ومعلمين وأطباء كل ذلك فقط حتى لا يضطر للبقاء وحده مع وجعه وذكرياته.
الصبي بدأ ينغلق على نفسه. أولا توقف عن السؤال لماذا لم يعد أبي يلعب معي. ثم توقف عن محاولة الحديث.
ماټت هيلينا بعد ساعات قليلة. وبقي دييغو وحيدا مع طفل يحمل ملامح رجل آخر.
في كل مرة كان ينظر فيها إلى بنجامين يتذكر شعور بالذنب. كل ابتسامة من الصبي كانت تؤلمه. حاول أن يكون أبا جيدا لكن الألم كان أقوى من الحب. استأجر مربية تلو أخرى ومعلمين وأطباء كل ذلك فقط حتى لا يضطر للبقاء وحده مع بنجامين. الصبي بدأ ينغلق على نفسه. أولا توقف عن السؤال لماذا لم يعد أبي يلعب معي. ثم توقف عن محاولة الحديث.
تحول إلى طفل حزين يقضي اليوم كله في غرفته وها هو الآن هناك يرقص مع غريبة ويبتسم ابتسامة حقيقية. خلال خمس عشرة دقيقة استطاعت عاملة تنظيف أن تفعل ما لم يستطع دييغو فعله خلال سنوات. توقفت الموسيقى. رأت أماندا دييغو عند باب الغرفة.
سيد فيغيريدو آسفة لم أسمع أنك دخلت.
تجمد بنجامين عندما سمع صوت أبيه. اختفى الابتسام فورا.
بابا
خرج صوته صغيرا ضعيفا.
شعر دييغو پغضب شديد من نفسه لأنه رأى الخۏف في عيني ابنه لكنه في الوقت نفسه شعر بالڠضب من أماندا لأنها شاهدت تلك الألفة التي لا يستطيع هو أن يعيشها مع ابنه. صعد بنجامين إلى غرفته.
لكن يا بابا كنت فقط
أخفض بنجامين رأسه وصعد الدرج ببطء. كل درجة كان يصعدها كانت تؤلم صدر دييغو. بقيت أماندا في الصالة لا تعرف ماذا تفعل.
أمسك دييغو الهاتف. قرر أن يتصل في الصباح الباكر بمكتب التوظيف ليطرد أماندا. في الصباح انتظر وصولها. قضى الليل كله يفكر في الكلمات التي سيقولها لها.
اجلسي لازم نحكي.
جلست أماندا على كرسي المطبخ.
صار شي
أنت تجاوزت حدودك أمس.
كيف يعني
مين سمح لك تتصرفي مع ابني
قطبت أماندا حاجبيها.
كان عم يبكي لوحده فوق وكان عطشان.
تم توظيفك لتنظيف البيت مش لتربية طفل.
أنا بس ساعدته بدون إذنك.
شغلك هون انتهى.
صدمت أماندا.
عم تطردني لأني لعبت مع ابنك
عم بطردك لأنك ما احترمتي قواعد بيتي.
أي قواعد أنت ما قلت لي أبدا إنه ممنوع أتكلم مع بنجامين.
كان دييغو يعرف أنها على حق لكنه لم يستطع التراجع الآن.
مو مضطر أشرح شي. خذي أغراضك وامشي.
ظهر بنجامين أعلى الدرج.
بابا ليش عم تتخانقوا أنا وأماندا
ارجع على غرفتك يا بنجامين.
بس بدي أعرف شو عم يصير.
نظرت أماندا للصبي بحنان.
هاي يا حبيبي بابا قرر إني ما عاد أشتغل هون.
ليش
نزل بنجامين بعض الدرجات.
لأنه مبارح لعبت معي بدون إذنه.
بس كانت رقصة صغيرة وكانت حلوة.
بعرف يا روحي بس أحيانا الكبار عندهم قوانين غريبة.
أماندا راح تروح للأبد
أجاب دييغو قبل أن تتمكن أماندا من الرد
نعم.
اڼفجر بنجامين بالبكاء.
ليش يا بابا! ليش دايما تطرد كل حدا يحبني
صفعت الجملة قلب دييغو.
بنجامين مو هيك
بلى هيك!
المربية آنا طردتها لأن كانت تخليني أحضر كرتون.
الخالة كارلا طردتها لأنها علمتني ألعب كرة.
وهلق أماندا لأن رقصت معي.
ضړب بيده على الدرابزين.
أنت ما بدك حدا يحبني.
اقتربت أماندا من الصبي.
مو ذنبك فهمت أنت ولد رائع.
طيب ليش عم تروحي إذن
نظرت أماندا إلى دييغو پغضب.
لأن الكبار أحيانا بيعملوا حماقات لما بيكونوا خايفين.
خايفين من شو
من الحب.
كل كلمة قالتها أصابت دييغو في قلبه. أخذت أماندا حقيبتها وكتبت شيئا على ورقة ثم أعطتها لبنجامين.
شو هذا
عشان تذكر إنك تظل ترقص بقلبك حتى لو ما في موسيقى شغالة.
ضم بنجامين الورقة إلى صدره وبكى أكثر. خرجت أماندا وتركت وراءها أبا وابنا في أزمة ستستمر أسابيع.
بعد ثلاثة أسابيع عاد البيت إلى صمته المعتاد. لم يعد بنجامين يخرج من غرفته بالكاد يأكل ولا يتكلم مع أحد. استأجر دييغو السيدة أنطونيا امرأة قاسېة بعض الشيء تعامل بنجامين كما لو كان مريضا.
بنجامين وقت الغداء.
طرقت الباب.
ما بدي.
الطفل لازم يأكل.
دخل دييغو الغرفة. رأى ابنه مستلقيا على السرير معه ورقة أماندا.
حبيبي لازم تأكل شوي.
ما بدي.
ليش
لأن لما نكون حزينين الأكل ما له طعم.
جلس دييغو على طرف السرير.
لساك زعلان عشان أماندا
أنت ما راح تفهم.
جرب تشرح لي.
استدار بنجامين نحوه.
أماندا كانت تخليني أحس إني طبيعي. معها كنت أنسى إني ما بشوف. هلق أتذكر طول الوقت إني مختلف.
أنت مو