ساعى التوصيل


لوسيا تحدق في الفراغ أمامها وكأنها تستعيد شريط سنوات كاملة في لحظة واحدة. ثم مالت برأسها ببطء وأسندته إلى كتفه وأغمضت عينيها كمن وجد أخيرا مكانا آمنا.
لو لم أعد قالت بهدوء لبقيت هاربة طوال حياتي. أتنقل من اسم إلى اسم ومن مدينة إلى أخرى أحمل حقيبة صغيرة وذاكرة مثقلة بلا جذور ولا ماض أستطيع الاعتراف به. كنت سأعيش نعم لكن دون أن أشعر أنني أنتمي حقا إلى أي مكان.
توقفت لحظة ثم أضافت بصوت امتزج فيه الامتنان بالحزن
لكن بفضلك امتلكت الشجاعة لأواجه ماضي بدل أن أظل أهرب منه.
ظل خافيير ينظر إليها طويلا. لم يكن في نظرته سؤال ولا عتاب بل فهم صامت وإحساس عميق بما مرت به دون أن تقوله كله.
امرأة كان لها يوما صورة جنائزية معلقة في قصر فخم يملؤه الصمت والرهبة
أصبحت الآن تجلس بجانبه تبتسم بهدوء في بيت صغير
بيت لا تحيط به الحراسة
ولا تراقبه الكاميرات
ولا تخفي جدرانه أسرارا ثقيلة.
بيت بسيط لكنه حقيقي.
وفي تلك اللحظة أدرك خافيير حقيقة لم يكن قد فكر بها من قبل حقيقة لم تعلمه إياها الطرق الطويلة ولا أيام العمل الشاق
أن هناك مۏتا لا يحدث داخل تابوت
بل يحدث في لحظة خوف
وفي كل مرة نختار فيها الهروب بدل المواجهة.
وأن هناك حياة لا تبدأ فعلا مع تغيير الاسم
ولا مع الهروب إلى مكان جديد
ولا مع طمس الذكريات
بل تبدأ فقط حين نمتلك الشجاعة الكافية لډفن الماضي كما هو
دون إنكار
ودون كڈب
ودون خوف.
حينها فقط نستطيع أن نمضي قدما
بقلوب أخف
وخطوات أصدق
ودون أن نلتفت وراءنا.