البطه القبيحه والبجعه البيضاء


باهتة وكأنه لا يرى جدوى من النقاش وقال كما تشائين. قالها ثم صعد إلى الطابق العلوي دون تردد. كان دائما هكذا معها. لم تستطع يوما تدفئة قلبه البارد مهما فعلت. وقفت ليلى ونظرت إلى ظهره المتجه وقالت اليوم عيد ميلادك أردت أن أقدم لك هدية. لم يتوقف كمال ولم يلتفت فقط قال لا حاجة لي بها. ابتسمت ليلى ورفعت شفتيها بهدوء وقالت كمال الرشيد دعنا نطلق. كان كمال قد وضع قدمه على الدرجة الأولى من السلم لكنه توقف فجأة واستدار لينظر إليها بعينيه السوداوين العميقتين مركزا نظراته عليها
تلك الكلمات البسيطة الحادة كحد السيف اخترقت صمت الفيلا البارد وأوقفت كمال في منتصف صعوده. استدار وعيناه السوداوان العميقتان التي طالما كانت باردة وفارغة أمام ليلى حملت للمرة الأولى تعبيرا غير مفهوم. لم يكن ڠضبا صريحا ولا استخفافا كالمعتاد بل مزيجا من الدهشة وعدم التصديق وربما شيئا آخر لم تستطع ليلى تمييزه في الظلام.
وقفت ليلى هناك امرأة منهكة لكنها الآن تحمل في عينيها شرارة تصميم لم يرها كمال من قبل. لم تعد تلك البطة القبيحة التي لا تملك سوى الحب المذل بل أصبحت امرأة قررت استعادة ما تبقى من كرامتها.
ماذا قلتي سأل كمال بصوت خفيض نبرته تحمل ثقلا لم تعهده ليلى.
قلت دعنا نطلق. كررت ليلى صوتها كان قويا وثابتا على عكس قلبها الذي كان يرتجف خوفا وأملا. أنا لا أستطيع الاستمرار هكذا. زواج بلا حب بلا كرامة بلا أدنى احترام.
تقدم كمال خطوة واحدة نحوها ثم توقف. كانت عيناه تستكشف وجهها تقرأ الخطوط الجديدة التي رسمها الحزن والأرق. ألا ترين أن هذا هو الأفضل لك سأل بنبرة بدت وكأنها محاولة للتبرير. لقد كنت مجرد وصي على ثروتي والآن استعدت وعيي ولم تعد هناك حاجة ل...
قاطعته ليلى بضحكة خاڤتة مريرة اهتز بها جسدها النحيل. حاجة هل ظننت يوما أنني أرغب أن أكون حاجة رفعت رأسها لتلتقي بعينيه مباشرة. لقد أحببتك يا كمال. أحببتك عندما كنت في غيبوبتك أحببتك عندما كنت أخدمك أحببتك بكل ما أملك. كنت أظن أن الحب يصنع المعجزات لكن معجزة حبك كانت لأختي لا لي.
انتقل تعبير في عيني كمال من الدهشة إلى شيء يشبه الانزعاج. ليلى لا تبالغي. هذا الزواج لم يكن أكثر من ترتيب عائلي...
ترتيب عائلي كررت كلماته بمرارة. هل ترتيبكم العائلي يشمل الخېانة هل يشمل أن تكون أختي هي عشيقة زوجي هل يشمل أن أعيش كظل بينما روحك وحياتك تنتمي لأخرى
صمت كمال. كان هذا هو الجزء الذي لم يتوقعه. كانت ليلى تعلم. لم يكن يعلم أنها عرفت كل شيء.
لقد رأيت والدي رأيت سعادتهم معها في الفندق. رأيت كيف كنتم تباركون هذا الحب المدنس بينما أنا كنت مجرد أداة. أداة لإنقاذ
ثروتك وأداة لأجل سعادة أختي وأداة لأجل غبائي في حب رجل مثلك! ارتفعت نبرة صوتها الآن لم تعد تخشى شيئا. أريد حريتي يا كمال. أريد أن أستعيد نفسي تلك المرأة التي ضاعت في خدمتك وحبك الذي لم يكن موجودا.
نظرت إليه ثم إلى الكعكة الباردة على الطاولة ثم إلى حقيبتها التي وضعتها بجانب الباب.
أنا أرحل. قالتها بهدوء هذه المرة وبإصرار لا رجعة فيه.
لم ينطق كمال بكلمة. ظلت عيناه مثبتتين عليها وكأنه يرى ليلى للمرة الأولى. امرأة ليست مجرد ظل بل إنسانة تملك إرادة وقوة لم يلحظها من قبل.
استدارت ليلى ولم تنتظر رده. لم تعد تملك شيئا تخسره. كانت خطواتها هذه المرة خفيفة لكنها أقوى من أي وقت مضى. فتحت الباب وخرجت إلى الليل البارد تاركة خلفها الفيلا المظلمة المائدة الباردة وكمال الرشيد الواقف وحيدا على الدرج يتأمل الصمت الذي خلفته كلماتها الأخيرة.
اختفت ليلى في الظلام بينما ظل كمال مكانه للمرة الأولى في حياته يشعر بثقل الوحدة وبفراغ لا يمكن لأي ثروة أو جمال أن يملأه. كانت البطة القبيحة قد طارت أخيرا تاركة البجعة البيضاء تقف وحيدة في قفص من صنعها وحطام قلب رجل لم يدرك قيمة ما فقده إلا بعد فوات الأوان.