اب مكسور


لها كارلا وتتمتم بهدوء
ماما ماما
انقبض قلب غابرييل.
كانت تحاول قول ماما الكلمة التي لم تتح لها الفرصة أبدا أن تقولها لهيلينا.
لكن فجأة أدرك شيئا جعله يحبس أنفاسه.
أليس لم تكن تنظر في الفراغ
كانت تحدق مباشرة في نقطة معينة إلى جانب السرير كأن شخصا يقف هناك.
كا كا تابعت أليس.
وفهم غابرييل أنها تحاول قول كارلا.
لقد ربطت صورة الأم ليس بذكرى أمها الراحلة بل بالمرأة التي دخلت حياتهم لتملأ هذا الفراغ.
ابتعد غابرييل عن الباب وقلبه يخفق بقوة.
لم يكن يعرف إن كان يشعر بالارتياح أو بالذنب.
ستظل هيلينا أم أليس دائما لكن كارلا كانت تصبح شيئا مهما بالقدر نفسه وربما خطېرا بالقدر نفسه على اتزانه العاطفي الذي يحاول الحفاظ عليه.
عاد إلى مكتبه لكن عجز عن التركيز على التقارير.
كانت أفكاره تعود دائما إلى السؤال نفسه
ما الذي يحدث بيننا نحن الثلاثة
والأهم إلى أي حد أنا مستعد أن أسمح له أن يستمر
مر أسبوع منذ مواجهة مارلين وعادت أجواء البيت إلى حالة من الانسجام.
عاد غابرييل مساء الخميس ووجد مشهدا غير معتاد.
كانت كارلا في غرفة الجلوس مع أليس لكنهما لم تكونا تلعبان كالمعتاد.
كان على الأرض عدد من الأشياء أعشاب شمعات جرس صغير وما بدا أنه غصن من نبات الرطب الآرودا.
ما الذي يحدث هنا سأل غابرييل فضوليا لكن غير متوجس.
رفعت كارلا رأسها بخجل قليل
أهلا غابرييل كنت أقوم بطقس حماية لأليس.
اقترب غابرييل باهتمام.
كانت أليس جالسة في وسط الدائرة المرتجلة تلعب بالجرس الذي يصدر رنينا لطيفا.
طقس حماية
أعرف أنه يبدو سخيفا بدأت كارلا تجمع الأشياء.
جدتي كانت تفعله دائما عندما كنت صغيرة.
تقول إنه يحمي من الطاقات السيئة والكوابيس.
لا لا جلس غابرييل بالقرب منهما.
ليس سخيفا. اشرحي لي كيف يعمل.
أشرق عينا كارلا من المفاجأة.
حقا لن تجده غريبا
كارلا إن كنت تؤمنين بأنه مفيد لأليس فأنا أريد أن أفهم.
تنفست كارلا بعمق وبدأت تشرح بينما كانت أليس تلعب بغصن الآرودا كما لو كان لعبة.
جدتي كانت تقول إن الأطفال أكثر حساسية لما يحدث حولهم.
يمتصون الحزن والڠضب والخۏف مثل الإسفنج.
أومأ غابرييل متذكرا الأشهر التي كانت أليس فيها تبكي بلا توقف.
الآرودا قالت وهي ترفع الغصن الأخضر تنقي الطاقات الثقيلة.
والجرس يطرد الأفكار السيئة.
أما الأعشاب تناولت أكياسا صغيرة
الخزامى للهدوء والبابونج لنوم مريح وإكليل الجبل للحماية.
وهل ينفع ذلك
لا أعلم إن كان الأمر بسبب الأعشاب أو بسبب الحب الذي نضعه في الطقس. ابتسمت.
لكنه كان يفيدني دائما.
راقب غابرييل أليس التي بدت مرتاحة تماما في وسط تلك الدائرة الصغيرة.
علميني.
نظرت كارلا إليه بدهشة
تريد أن تتعلم
أريد أن أتعلم كل ما يمكن أن ينفع أليس
تردد قليلا.
وأريد أن أفهم عائلتك وثقافتك. هذا جزء مما أنت عليه.
دافأ قلب كارلا. لم يسبق أن أبدى أحد من أصحاب العمل اهتماما بطقوسها أو جذورها.
حسنا لكن عليك أن تفهم شيئا أولا الأمر ليس دينا.
هو أشبه بطب للروح إن صح التعبير.
أومأ غابرييل وجلس تماما على الأرض مستعدا للتعلم.
أولا نرسم دائرة حماية قالت وهي تنثر بتلات ورد أبيض حولهم.
الورد الأبيض رمز للنقاء والبراءة مناسب تماما للأطفال.
صفقت أليس وهي ترى البتلات تتساقط حولها كأنها لعبة.
ثم نشعل شمعة بيضاء
أشعلت كارلا عود ثقاب وأوقدت الشمعة.
ونطلب الحماية. يمكن أن يكون الطلب موجها لأي قوة تؤمن بها الله الكون الملائكة
وأنت بماذا تؤمنين سألها غابرييل بصدق.
أؤمن بوجود شيء أعظم يعتني بنا.
كانت جدتي تسميه قوة الخير.
تقول إنه كلما أحببنا بصدق ازدادت هذه القوة.
نظر غابرييل إلى وهج الشمعة المتراقص متأملا كلماتها.
الآن تابعت
نمرر الآرودا على جسد أليس بهدوء وكأنه لمسة حنان
لإزالة أي طاقة سيئة قد تكون امتصتها.
نفذت كارلا ذلك تمرر الآرودا بلطف على ذراعي أليس التي أخذت تضحك من الدغدغة.
دورك الآن قالت وقدمت غصنا آخر لغابرييل.
أخذ الآرودا وقلد حركاتها مرورا على ساقي أليس برفق.
كان الإيماء بسيطا لكنه حمل في طياته حنانا عميقا.
وأثناء القيام بذلك قالت كارلا
فكر في أشياء جميلة في أحلامك لها في لحظات سعيدة.
أغمض غابرييل عينيه للحظة.
تخيل أليس تكبر سعيدة تركض في أرجاء البيت تضحك تناديه بابا.
ولمفاجأته كانت صور كارلا حاضرة دائما هذه المرة.
والآن الجرس.
حركت كارلا الجرس الفضي حول أليس لطرد الكوابيس وجلب الحماية.
ملأ الصوت الرقيق الغرفة وصفقت أليس محاولة الإمساك به.
وأخيرا أمسكت بكيس صغير من القماش.
نضع
الأعشاب الواقية تحت سريرها. تبقى هناك تحرس نومها.
راقب غابرييل الخطوات كلها بشغف.
لم يكن الأمر محض أعشاب وأشياء بل كانت نية وعطف ورغبة في تحويل القلق إلى فعل والخۏف إلى حماية.
ها قد انتهينا قالت وهي تجمع البتلات.
الآن أليس محمية.
ثم نظر إليه وسألها
وأنت من يقوم بطقس حماية من أجلك
فاجأها السؤال.
توقفت عن جمع البتلات ونظرت إليه.
أنا أحيانا أفعله لنفسي.
لكن منذ ۏفاة ابن أختي لم أعد أستطيع.
لم أعد قادرة على الاعتناء بروحي.
فهم غابرييل.
الحزن يسلبنا أحيانا حتى القدرة على الاعتناء بأنفسنا.
قال بهدوء
هل يمكنني أن أعد طقس حماية لك أنا
اتسعت عينا كارلا
غابرييل لا داعي لذلك.
أريد هذا. أنت تهتمين بأليس وبي من يهتم بك أنت
لامست كلماته چرحا لم تكن تعلم أنه مفتوح.
منذ زمن لم يسألها أحد من يعتني بك
لا أعرف إن كنت ستعرف كيف تقومين به كما ينبغي قالت بخفة.
ستعلمينني ابتسم.
كما فعلت الآن.
ترددت ثم أومأت.
أعاد غابرييل رسم دائرة جديدة بالبتلات هذه المرة حول كارلا نفسها.
صفقت أليس بحماسة كأنها تعرف أن الدور الآن لماما كارلا كما بدأت تناديها.
أولا ما أكثر شيء تحتاجين الحماية منه سأل وهو يشعل شمعة جديدة.
فكرت كارلا قليلا
من أن أتعلق كثيرا بالناس الذين قد أفقدهم.
أصابته صراحتها من جديد في العمق.
كانت تقصد أليس وربما هو أيضا.
كارلا اقترب قليلا.
لن تفقدينا.
لا يمكنك أن تعدني بذلك.
أستطيع أن أعدك أن ذلك لن يكون بسبب قلة حب أو تقدير.
أنت لست شيئا يمكن استبداله لا بالنسبة لأليس ولا بالنسبة لي.
خرجت الكلمات من فمه أثقل مما كان يقصد.
أخذ الآرودا وبدأ يمرره على ذراعيها كما فعلت هي لكن اللمسة التي كان يفترض أن تكون مجرد خطوة في طقس روحاني صارت أكثر حميمية.
لإزالة الحزن تمتم وهو يمرر الغصن على كتفها.
ولإزالة الخۏف ولامس معصمها.
ولإزالة شعورك بأنك لا تستحقين أن تحبي.
أغمضت كارلا عينيها تشعر ليس فقط بملمس الآرودا بل بثقل نظرته عليها.
غابرييل همست.
تناول الجرس وقال
والآن سأدعو الحماية لك.
رن الصوت الناعم في الغرفة لكن هذه المرة كان مختلفا.
كان غابرييل يهز الجرس وهو ينظر في عينيها مباشرة كأنه لا يستدعي الحماية فقط بل يقدم وعدا أيضا.
صفقت أليس وقالت متمتمة
ماما بابا ماما بابا
الټفت الاثنان إليها بدهشة.
كانت تشير إلى كارلا ثم إلى غابرييل بالتبادل كأنها تراهما وحدة واحدة أبا وأما.
قطع ذلك المشهد پبكاء فجائي عميق يائس من أليس.
لم يكن بكاء عاديا بل ذلك النوع القديم من البكاء الذي لم يظهر منذ أسابيع بكاء من أعماق الروح.
ما الأمر يا حبيبتي أسرعت كارلا تحملها لكن الطفلة ظلت تبكي بلا توقف.
اقترب غابرييل قلقا
ما بها كانت على ما يرام.
حاولت كارلا تهدئتها بكل ما تعرفه غناء تدليك هز لطيف
لكن لا شيء نفع.
كان بكاؤها ېمزق القلب.
إنها تشعر بشيء ما همست كارلا.
أليس ما بك يا أميرتي
فجأة أدرك غابرييل.
أثناء الطقس الذي أقامه من أجل كارلا ركز هو مشاعره كلها الحب الرغبة في الحماية الخۏف وربما أشياء أخرى لم يكن مستعدا للاعتراف بها بعد.
وأليس