قصة الابن المجهول


الكلمات تتطاير حولي كالهواء ولا شيء يستقر في عقلي. كيف يمكن لامرأة أن تنسى أنها وضعت طفلا كيف يمكن لعائلة كاملة أن تخفي حقيقة بهذا الحجم
سمعت صوتي يخرج ضعيفا
تشيكي إنت متأكد
قال بحزم مريب
أيوه. لازم نروح لأهلك دلوقتي.
ابتلعت ريقي بصعوبة.
دلوقتي
أيوه الموضوع خطېر.
وقبل أن أجيب قال الطفل بهدوء غريب يفوق عمره
ماما ما تخافيش. أنا جيتلك.
نظرت إليه وفي داخلي شعور لم أفهمه خوف حنان رفض لا أدري.
أخذني تشيكي من يدي كأنني شخص يسير وهو نائم. خرجنا من المنزل والطفل يمسك بطرف فستاني بخفة كأنه يعرفني منذ زمن.
وصلنا إلى بيت أهلي بعد ساعة وكانت تلك أطول ساعة في حياتي. طرق تشيكي الباب بقوة وفتحت أمي وهي تبتسم لكن ابتسامتها اختفت فور رؤيتها للطفل.
تجمدت ملامحها ثم همست بصوت مخڼوق
لأ دا ما ينفعش يحصل دلوقتي.
نظرت إليها بحدة
ماما إنت تعرفي
تراجعت خطوة.
ادخلي خلونا نتكلم جوه.
دخلنا. جلس أبي على الكنبة ولما رأى الولد قام واقفا بسرعة كأن أحدا صفعه.
قال أبي بصوت مرتجف
جابوه
صړخت فيه
جابوه إيه دا ابني ولا إيه الحكاية
جلست أمي ووضعت يدها على رأسها.
يا بنتي إحنا كنا عايزين نحميكي.
صړخت
تحموني من إيه من ابني!
قال أبي بصوت خاڤت
الولادة حصلت بس كانت معجزة إنك عشت.
قلت بحدة
معجزة إيه أنا كان عندي مغص!
نظرت أمي إلي بعينين دامعتين
الموضوع مش زي ما قالولك. إنتي ما كانش عندك مغص إنتي كنتي في حالة ولادة بس الدكتور قال إنك مش هتستحمل وإنك ممكن ټموتي. ولما الولد طلع كنتي ما بين الحياة والمۏت.
تسارعت أنفاسي.
طيب خدتوه ليه ليه ما قلتوش
قال أبي بصوت متهدج
لأن الدكتور قال إن الولد فيه حاجة غلط.
نظرت إلى الطفل وقلبي يهبط.
غلط يعني إيه
سكت أبي ونظرت إلي أمي وقالت
الولد عنده قدرة غريبة. حاجة ما نعرفش نفسرها. يوم ما اتولد كان لسه مولود وبص في عيني الدكتور والدكتور صړخ.
سكتت.
قلت ببطء وأنا أشعر بقشعريرة
صړخ ليه
همست أمي
قال إنه حس إن الولد بيقرأ أفكاره.
ابتسم الطفل فجأة وقال لي بهدوء مطمئن
ما تخافيش يا ماما أنا عمري ما هأذيكي.
تجمدت في مكاني.
لم أنطق.
لكن أمي قالت بصوت مرتعش
شايفه الولد بيسمع اللي جوانا.
رفعت رأسي إليه.
كان ينظر إلي كما لو أنه يعرفني أكثر مما أعرف نفسي.
همست
إنت إيه بالظبط
ابتسم الطفل وقال
ابنك وحاجات تانية.
توقف الزمن لحظة كاملة وأنا أحدق في الطفل. كان وجهه بريئا لكن شيئا ما خلف عينيه الواسعتين يشع بحكمة تفوق سنوات عمره الخمس.
اقترب مني بخطوات صغيرة ثم مد يده ووضعها على يدي.
شعرت بدفء غريب ينتشر في صدري كأن شيئا كان مكسورا بداخلي وبدأ يشفى.
قال الطفل بابتسامة هادئة
ماما أنا عمري ما كنت خطړ. هم بس كانوا خايفين.
نظرت إلى أمي وأبي. كان الخۏف واضحا في وجوههم خوف من شيء لا يفهمونه.