قصة الابن المجهول

عدت إلى المنزل قرابة السادسة مساء مرهقة وجائعة. فتحت الباب ودخلت غرفة الجلوس وألقيت حقيبتي جانبا.
لكنني كدت أسقط من الصدمة.
كان هناك طفل صغير في نحو الخامسة من عمره يجلس على أريكتي ويأكل البسكويت. رفع عينيه ونظر إلي مباشرة.
وتوقف قلبي.
كان الطفل يشبهني نفس العينين نفس الأنف وحتى الشامة الصغيرة على ذقني.
همست
يا ربي إنت مين
ابتسم الصغير وقال ببراءة
ماما أهلا.
ماما!
تراجعت خطوة.
أمك مين
وقبل أن يجيب خرج زوجي من غرفة النوم مبتسما.
آه يا حبيبتي رجعتي. تعالي شوفي ابننا.
شعرت بالأرض تميد من تحتي.
ابن إيه
كرر بهدوء
ابنا.
حصريا علي روايات واقتباسات 
تشبثت بالجدار.
تشيكي إيه الهبل دا
اقترب ووضع يده على كتف الصبي.
دا إيجايكي. دمنا.
ضحكت من شدة الصدمة.
دمك إنت! تشيكي هو أنا حملت هو أنا ولدت إنت اټجننت
توقف الولد عن الأكل ونظر إلي بعينين واسعتين هادئتين.
ماما ليه زعلانة
أشرت إليه ويدي ترتعش.
بلاش تناديني كدا. مين جابك هنا
تنفس تشيكي ببطء.
اقعدي خليني أشرح.
مش هاقعد. اشرح دلوقتي!
حك رأسه وقال
الولد دا ابننا. ابنك وإنت.
شددت على حقيبتي.
تشيكي لو ما اتكلمتش بعقل هكسر حاجة.
جلس وجذب الولد ليكون بجانبه.
من خمس سنين حصلت حاډثة عمري ما قلتها لك.
قطبت جبيني.
حاډثة إيه
قال
كنت راجع من سفر ودكتور صاحبي كلمني. قالي في طفل مولود جديد أمه ماټت أثناء الولادة. والست دي كتبت اسم على ورقة قبل ما ټموت.
ابتلعت ريقي.
كتبت اسم مين
نطق ببطء
اسمك.
دارت الدنيا حولي.
اسمي إزاي
حصريا علي روايات واقتباسات 
الولد اتولد في نفس اليوم اللي اتنقلت فيه المستشفى علشان ألم البطن الشديد اللي كان عندك. الدكتور افتكر إن الست تعرفك أو كانت عايزة تسيب الولد ليكي. وفضل يترجاني آخده لحد ما يلاقوا أهله. فوافقت.
تقدمت خطوة للخلف.
تشيكي ما قلتليش الكلام دا ليه
كنتي تعبانة وملكيش طاقة. خفت أضغط عليكي. وديته لابن عمي شوية بعدين ابن عمي سافر فافضل عند عمتي.
رمشت بسرعة.
خمس سنين ومستخبيه عني
كان المفروض يروح لأهله أسبوع ورا أسبوع شهر ورا شهر سنة ورا سنة وماحدش ظهر.
تكسر صوتي.
وجاي النهارده تنزل القنبلة دي على دماغي
نظر إلى الصبي.
عملت تحليل DNA الأسبوع اللي فات.
تجمدت.
تحليل DNA علشان إيه
رفع ذقن الولد قليلا.
والنتيجة طلعت امبارح.
ساد الصمت.
ثم الټفت إلي.
الولد دا بيشاركك نفس ال.
انحبس نفسي.
دا مستحيل.
وقف وقال
الولد دا ليه صلة بيكي دما. التحليل بيقول إنك أمه.
ابتسم الولد مرة أخرى ببراءة محيرة.
ماما أنا قولت لهم إنك هتيجي.
ارتجفت يدي.
مش فاهمة إزاي طفل أنا ما ولدتهوش يبقى ليا
ناولني تشيكي ظرفا.
اقري التقرير.
فتحته. رأيت اسمي ورأيت النسبة. ارتخت قدماي.
همست
الورقة بتقول إني أمه.
أومأ تشيكي بهدوء.
نظرت إلى الطفل فابتسم وكأنه كان ينتظرني طوال حياته.
همست
إيه اللي بيحصل في حياتي
قال تشيكي بنبرة هادئة
لازم نروح لأهلك.
هبط قلبي.
ليه
علشان المستشفى قالت حاجة غريبة شوية.
إيه
أمسك يدي وقال
الدكتور قال إنك ولدت يومها. وإن أهلك دفعوا علشان الموضوع يتسكت. وإن حد خد الطفل قبل ما تصحي.
لم أعد أشعر بأي شيء عقلي انطفأ.
شعرت بأنني أغرق في فراغ لا نهاية له.