امرأه صفعت طفلا مشردا


عنه سأ
سألها فجأة بنبرة كالسهم
هل تعرفين حتى اسمه
تجمدت.
لم تستطع الإجابة.
كان السؤال وحده كافيا ليكشف لها حجم خطيئتها.
أغلق المدير عينيه وتنهد ثم قال
هذا ما كنت أخشاه.
في تلك الليلة بقيت إيما في منزلها ستائرها مسدلة الأنوار مطفأة والغرفة غارقة في العتمة.
كانت الرسائل تنهال عليها بلا توقف
يا عديمة الرحمة.
أنت وحش في هيئة إنسانة.
كيف تضربين طفلا مشردا
أنت مثال على فساد الثراء.
ثم أتت رسالة واحدة
جعلت كل الرسائل الأخرى تبدو تافهة
لقد آذيت ابني.
بدون
اسم.
بدون شرح.
مجرد حقيقة صاډمة.
ظلت تحدق في الشاشة دقائق طويلة ثم كتبت
أنا آسفة هل يمكننا التحدث
لكن
لم يصلها أي رد.
لا تلك الليلة.
ولا التي بعدها.
في صباح اليوم الثالث ظهر إشعار جديد
منشور لمؤسسة محلية لمساعدة الأطفال المشردين
إن كانت إيما تريد إصلاح ما فعلته حقا فلتبدأ من هنا.
ومعه عنوان مأوى صغير في الجانب الشرقي السفلي.
شدت على حقيبتها بشدة
وقررت الذهاب.
وقفت أمام الملجأ يداها ترتجفان وخصلات شعرها مبعثرة بفعل القلق.
لم تكن ترتدي ملابسها المعتادةلا كعب عال ولا سترة فاخرة.
فقط سروال بسيط وحذاء رياضي وكنزة قطنية عادية.
كانت تحمل كيسا ورقيا مليئا بالسندويتشات.
كانت تشعر بالخجل والخۏف والندم.
دخلت.
رفعت موظفة الاستقبالماريسولعينيها وقالت ببطء
أنت تبدين مألوفة.
ابتلعت إيما ريقها وقالت بصوت خاڤت
أنا المرأة من الفيديو.
جئت لأعتذر.
ليس أمام الكاميرات بل أمامه هو.
دققت ماريسول النظر في وجهها ثم قالت
تأكدي أنك هنا للسبب الصحيح.
الأطفال هنا ليسوا مشهدا لاعتذارك.
ردت إيما بصدق مؤلم
أنا هنا لأتعلم كيف أكون إنسانة.
بعد لحظات
عادت ماريسول ومعها الطفل.
لوكا.
كان أصغر بكثير مما شاهدته في الفيديو.
وجهه هادئ لكنه متعب بطريقة أكبر من عمره.
اقتربت منه بخطوات مرتعشة
مرحبا يا لوكا أنا من أخطأت في حقك ذلك اليوم.
وأنا آسفة آسفة بصدق.
لم تكن مخطئا.
أنا وحدي من كان قاسېا.
تأملها الطفل طويلا ثم قال
الناس على الإنترنت يكرهونك.
هزت رأسها بحزن
أعرف.
وهذا شيء استحققته.
لكنني لا أريد أن أكسب رضا الناس.
أريد أن أكسب فرصة أن أكون أفضل هنا.
معك أنت.
قدمت له الكيس
أحضرت طعاما
وأريد أن أساعد هنا.
في أي شيء ترونه مناسبا.
نظر لوكا للكيس ثم قال
أنا ضعيف في الرياضيات.
ابتسمت لأول مرة منذ أيام
إذن سنبدأ بالرياضيات.
ومن ذلك اليوم
بدأت رحلة جديدة تماما.
كانت تأتي للملجأ كل يوم.
تجلس مع الأطفال.
تساعد في الدراسة.
تغسل الأطباق.
تقشر الخضار في المطبخ.
تنظف الأرضيات.
وتستمع تستمع كثيرا.
مع مرور الأيام
لم تعد تشعر أن زيارتها عقاپ.
ولا محاولة تبييض صورة.
بل شعرت أنها تعود تدريجيا إلى حقيقتها
إلى إنسان لم تكن تعرفه في داخلها.
وفي أحد الأيام الممطرة دخل رجل نحيل يحمل وجها هزيلا متعبا.
وما إن رآه لوكا
حتى ركض نحوه وهو يصيح
بابا!
توقفت إيما في مكانها.
عرفت فورا أنه صاحب الرسالة.
تقدم الرجل نحوها ببطء.
كانت عيناه حذرتين لكنهما تحملان امتنانا خجولا.
قال بصوت منخفض
كنت غاضبا منك
لكن ماريسول أخبرتني أنك تأتي كل يوم
وأن ابني يحبك ويشعر بالأمان معك.
خفض رأسه وقال
ربما تستحقين فرصة ثانية.
تجمدت الدموع في عيني إيما.
ثم قالت
أعدكما لن أكون تلك الإنسانة مرة أخرى.
ومع مرور الوقت تغيرت حياة الأطفال
وتغيرت حياة إيما أكثر.
بدأت تقود حملات تبرعات.
تجمع الملابس.
تنظم فصول تعليمية.
وتجلس مع الأطفال الذين يعانون من صدمات.
كانت تسمع قصصا تشق القلب
وتتمسك أكثر بفكرة أنها تستطيع إصلاح جزء صغير من العالم.
وفي حفل صغير نظمه الملجأ وقف لوكا أمام الجميع وقال
هذه السيدة
كانت السبب في أنني فهمت أن الناس يمكن أن يتغيروا.
هي أخطأت نعم.
لكنها حاولت أن تصلح خطأها
وهذا أهم شيء.
كان صوته صغيرا
لكن كلماته حملت ثقلا كبيرا.
نزلت الدموع من عيني إيما بحرارة
وهذه المرة
لم تكن دموع خجل.
كانت دموع شفاء.
فهمت بعد كل تلك الرحلة أن الخطأ لا يمحى
لكنه يمكن أن يتحول إلى نقطة بداية.
وأن الإنسان لا يقاس بما ارتكبه في أسوأ لحظاته
بل بما فعله بعدها ليصبح أفضل.