حكاية سوزان

في ليلة شتوية باردة من ليالي ديسمبر عام 1972 كان الهواء مشبعا برائحة البحر المالح القادمة من سواحل فلوريدا والسماء ملبدة بالغيوم كأنها تخفي شيئا في طياتها. في تلك الليلة اختفت سوزان بول فتاة مراهقة لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها من منزل صديقتها حيث كانت تقضي الأمسية. لم يكن أحد يتوقع أن تختفي فجأة من حياتهم وكأن الأرض ابتلعتها بلا أثر.
سوزان لم تكن فتاة متمردة بشكل كبير لكنها كانت مثل كثير من المراهقات تهرب أحيانا من الدراسة تتأخر قليلا عن العودة للبيت تحلم بأشياء أكبر من مدينتها الصغيرة لكنها لم تكن تهرب من الحياة نفسها. تركت في تلك الليلة حقيبتها وملابسها وبعض أغراضها الخاصة في منزل صديقتها مما أعطى الجميع انطباعا بأنها كانت تنوي العودة. لكنها لم تعد أبدا.
بدأت الساعات الأولى بالقلق البسيط صديقتها تظن أنها خرجت قليلا وستعود والدتها تحاول أن تهدئ نفسها وتقول إنها تأخرت فقط. لكن مع مرور الوقت تحول القلق إلى ړعب. في صباح اليوم التالي تم إبلاغ الشرطة وبدأ البحث في الشوارع والأزقة والمزارع المحيطة لكن لا أثر.
الأيام تحولت إلى أسابيع والأسابيع إلى شهور. والأسئلة ظلت تطارد كل فرد من عائلتها أين ذهبت سوزان هل فرت هاربة هل اختطفت هل ما زالت على قيد الحياة في مكان ما لم تكن هناك أي إجابة فقط الأمل الذي كان يتأرجح بين السماء والأرض أمل مؤلم جداااااااا.
الأم تلك السيدة البسيطة لم تتوقف يوما عن انتظار طرق على الباب يخبرها أن ابنتها عادت. الأب كان يحاول أن يبدو قويا أمام أسرته لكنه كان ينهار ليلا يختبئ في غرفته ويمسك صورة ابنته ويغرق في دموعه. الأشقاء كانوا يذهبون إلى المدرسة بقلوب مثقلة لا يريدون مواجهة أسئلة زملائهم. الجيران بدورهم لم يتوقفوا عن الهمس البعض يقول إنها هربت مع شاب والبعض الآخر يؤكد أنها خطفت. لكن كل تلك الأحاديث لم تشف چرح العائلة بل زادته اتساعا.
مر عامان على اختفائها. وفي أحد أيام يونيو الحارة عام 1974 في عمق مستنقعات المانغروف الكثيفة في مقاطعة بالم بيتش حيث الأشجار متشابكة والجذور غارقة في الطين عثر رجال الشرطة على هيكل عظمي مجهول. كان الاكتشاف صاډما وغريبا العظام مبعثرة جزئيا والرطوبة أكلت كثيرا من تفاصيلها. لم يكن هناك وجه يمكن التعرف عليه ولا ملابس واضحة تحمل اسما أو علامة. مجرد عظام وسط صمت ثقيل لا يروي أي شيء.
الشرطة حينها لم تستطع تأكيد هوية الضحېة. ظلت العظام بلا اسم بلا قصة بلا ملامح. أغلقت القضية وأدخلت في ملفات الچثث المجهولة. بينما بقيت عائلة سوزان ممزقة بين الأمل واليأس ينهشهم السؤال ذاته كل يوم هل هذه ابنتنا أم أن سوزان ما زالت على قيد الحياة في مكان آخر
مرت السنوات تباعا. تغيرت وجوه الناس رحل الأب كبرت الأم وشاخت لكن الانتظار ظل في قلبها كغصة. الأشقاء كبروا أيضا تزوج بعضهم وأنجبوا لكن ظل في حياتهم كرسي فارغ على مائدة العائلة يذكرهم بسوزان. الزمن مضى لكن الذاكرة لم تمض.
ظل الهيكل العظمي المجهول يرقد في هدوء تام داخل أدراج الشرطة ومختبراتها بينما ظل اسم سوزان بول يتردد في الصحف المحلية كإحدى القضايا الغامضة.
حتى جاء عام 2022 ومعه معجزة العلم والتكنولوجيا. بفضل تقنيات الحمض النووي الحديثة صار ممكنا تحليل أدق البقايا وربطها بالأشخاص المفقودين. بدأت شرطة فلوريدا مشروعا واسعا لإعادة فحص الرفات المجهولة باستخدام اختبارات الحمض النووي المتقدمة وتحليل الأنساب الجينية. وهنا أعيد فتح ملف الهيكل العظمي الذي وجد عام 1974.
كان المفتاح هذه المرة عينة من الحمض النووي لأم سوزان تلك الأم التي لم تيأس رغم مرور نصف قرن تقريبا. أخذ العلماء العينة وقارنوها مع الحمض النووي للعظام وبعد أسابيع من التحليل ظهرت النتيجة واضحة لا لبس فيها العظام تعود لسوزان بول.
الخبر وقع كالصاعقة. أخيرا وجدت سوزان أو بالأحرى وجدت بقاياها. الصدمة لم تكن فقط في كشف هويتها بل في الاشتباه القوي بهوية قاتلها.
الشرطة رجحت أن تكون سوزان واحدة من ضحاېا جيرارد شيفر ذلك الشرطي السابق الذي تحول إلى شخص