سخروا من عجوزٍ هادئ في مطعم صغير… ولم يدركوا أنّ مكالمةً واحدة ستجعل الأرض ترتجّ تحت أقدامهم


تلمع تحت شمس الصباح وكان راكبوها يرتدون سترات جلدية بطابع عسكري مطرزة بعبارة نادي المحاربين القدامى الصقور الحديدية.
انطفأت المحركات في وقت واحد. كان الصمت صاعقا.
فتح الباب الأمامي ودخل رجل طويل عريض المنكبين بلحية أشيب. مسح المكان بعينيه ثم وقعتا على والتر.
قال وهو يؤدي التحية العسكرية
صباح الخير أيها القائد.
أومأ والتر
صباح الخير يا رجال. أقدر سرعة الاستجابة.
تمتم قائد المشاغبين مذهولا
ققائد
استدار المحارب المخضرم إليه ببطء
هل لديك مشكلة مع العقيد والتر ديفيس
علق الاسم في الهواء كالرعد.
بدوا صغارا فجأة. كانوا يعرفون الشارةالصقور الحديدية ناد وطني يضم ضباطا عسكريين متقاعدين مشهورين بالانضباط والولاء.
كان والتر أحد مؤسسيهم وقائدهم الأول محارب سلاح جو مزينا بالأوسمة قاد مهمات لا تحصى قبل عقود.
تلعثم القائد
لم أكن أعلم
وضع والتر فنجان القهوة ونظر إليه
لم تسأل.
أحاط الصقور الحديدية بالمطعم بهدوء مهيب. اقترب المحارب الذي حيا والتر من الشبان
أظن أن الوقت قد حان لتنظيف هذه الفوضى والاعتذار للسيدة والمغادرة قبل أن تحرجوا أنفسكم أكثر.
نهض الخمسة على عجل. انحنى أحدهم التقط عصا والتر بعناية ومسحها بمنديل ورقي كما لو كان يزيل عنها ما هو أكثر من الغبار ثم قدمها بيدين مرتجفتين
ن نعتذر يا سيدي. لم نقصد أي أذى.
أخذ والتر عصاه واستند إليها لحظة ثم اعتدل في وقفته. بدا أطول مما يوحي به عمره وأكثر صلابة مما توقعه أحد.
قال بصوت هادئ لكنه نافذ
الاحترام لا ينتزع بالقوة بل يعطى طوعا. ومن لا يتعلمه طوعا سيتعلمه متأخرا.
هز قائدهم رأسه مرارا وقد زال ما في عينيه من تحد
نعم سيدي نعتذر يا سيدتي. سنغادر الآن.
اندفعوا خارج الباب في صمت مرتبك امتطوا دراجاتهم وانطلقوا مسرعين كأنهم يفرون من ظل أثقل من أصوات محركاتهم.
في الخارج تبادل الصقور الحديدية نظرات خفيفة وضحكات مكتومة وهم
يهزون رؤوسهم.
قال أحدهم بإعجاب صادق
ما زلت في القمة أيها القائد.
ابتسم والتر ابتسامة صغيرة تحمل أثر سنوات طويلة من القيادة
لم أفقدها بعد فقط تعلمت متى أستخدمها.
تنفست ماغي الصعداء أخيرا وشعرت بأن قلبها عاد إلى إيقاعه الطبيعي ذلك الإيقاع البسيط الذي اعتادت عليه في مطعمها الصغير منذ عقود. اغرورقت عيناها بدموع الارتياح وقالت وهي تضحك محاولة إخفاء ارتجاف صوتها
يا والتر ديفيس كدت تصيبني بسكتة قلبية!
ضحك هو الآخر ضحكة دافئة مألوفة تحمل ثقل العمر وخفة الحكمة معا
صباح عادي يا ماغي مع قليل من الضجيج لا أكثر.
دخل الصقور الحديدية وجلسوا معه للفطور واحدا تلو الآخر بهدوء منضبط لا يشبه صخبهم في الخارج. امتلأ المطعم من جديد بالدفء كأن الجدران نفسها تنفست أخيرا بعد توتر طويل. عادت الكراسي إلى أماكنها وعاد صوت الملاعق إلى نغمته اليومية وتعالت القصص والضحكات شيئا فشيئا. استعيدت ذكريات قديمة عن طرق بعيدة قطعتها الدراجات ليلا وعن سماء مفتوحة كانت يوما ميدانا للخطړ والشجاعة وعن أصدقاء لم يعودوا لكن أسماءهم ظلت حاضرة