على كتف الجد بقلم نرمين عادل

 

«أيوه… جاية.»

عندما وصلت، كانت تنتظرني في مكتبٍ صغير معقّم، جلست أمامي وضمّت يديها فوق المكتب بهدوءٍ رسمي.

«عارفة إن ده وقت صعب عليكِ يا ليلى.»

قاطعتها بانفعال:

«قولي لي بس كان عليه قد إيه، وأنا هحاول أتصرف.»

رمشت بدهشة وقالت:

«هو ما كانش مديون ولا جنيه… بالعكس، كان من أكتر الناس التزامًا في الادخار اللي اشتغلت معاهم.»

تجمدت الكلمات في فمي.

«إزاي؟ إحنا كنا مش لاقيين ندفّع فاتورة التدفئة.»

مالت نحوي قليلًا، وقالت الجملة التي قلبت حياتي:

«جدّك فتح صندوق تعليمي باسمك من 18 سنة، وكان بيودع فيه مبلغ ثابت كل شهر.»

اصطدمت الحقيقة بصدري كقطار مسرع.
لم يكن فقيرًا… بل كان فقيرًا باختياره.
كل مرة قال فيها: مش قدّنا يا صغيرتي، كان في الحقيقة يقول: أنا ببني لكِ حلمًا.

ثم دفعت نحوي ظرفًا.

«طلب مني أديكِ الرسالة دي لما تيجي.»

فتحت الورقة بأصابع مرتجفة:

عزيزتي ليلى،
إذا كنتِ بتقري الكلام ده، يبقى أنا مقدرتش أروح معاكي الجامعة بإيدي، وده ۏجع قلبي العجوز.
عارف إني قلت «لا» كتير، وكنت بكره الكلمة دي، بس كنت لازم أتأكد إن حلمك في إنقاذ الأطفال هيتحقق.
البيت لكِ، والفواتير مدفوعة لفترة، والصندوق يكفي دراستك وكتبك… وحتى موبايل جديد جميل.
أنا فخور بيكِ يا بنتي. أنا معاكِ دايمًا.
جدك.

انهرت بالبكاء هناك، وسط المكتب المعقّم.
لكن عندما رفعت رأسي، وللمرة الأولى منذ مۏته، لم أشعر أنني أغرق.

نظرت إليها بعينين متورمتين وسألت:

«في الصندوق… فيه كام؟»

نقرت السيدة سارة على لوحة مفاتيح الحاسوب لحظاتٍ قصيرة، ثم رفعت رأسها نحوي وابتسمت ابتسامة تحمل طمأنينة لم أعرفها منذ زمن.

«يا ليلى، جدّك كان حريص إنك تكوني في أمان كامل… المصاريف الدراسية كلها متغطّية، والسكن، والأكل، وكمان مصروف كريم لأربع سنين في أي جامعة حكومية.»

خرجت من البنك وأنا لا أزال غير مصدّقة.
قضيت الأسبوع التالي أبحث بين الجامعات، أقرأ البرامج، وأقارن الأحلام، ثم قدّمت إلى أفضل برنامج للخدمة الاجتماعية في الولاية.

وبعد يومين فقط… جاء القبول.

في تلك الليلة نفسها، خرجت إلى الشرفة، رفعت رأسي إلى السماء، والنجوم كانت أقرب من أي وقت مضى. شعرت به معي، واقفًا خلفي كما كان يفعل دائمًا، يضع يده على كتفي في صمت.

همست، والدموع تنهمر دون مقاومة:

«هروح يا جدي…»
«هأنقذهم كلهم، زي ما إنت أنقذتني.»
«كنت بطلي لآخر نفس… وإنت اللي وصلتني لهنا… عملت كده فعلًا.»

وفي تلك اللحظة فقط فهمت الحقيقة كاملة:

كڈبة الفقر…
كانت أعظم فعل حب عرفته في حياتي.

وأنا… كنت عازمة أن أعيش حياةً تليق بتلك الټضحية.

صياغه ادبيه الكاتبه نرمين عادل همام

تمت