على كتف الجد بقلم نرمين عادل

على كتف الجدّ صياغه ادبيه الكاتبه نرمين عادل همام

أنا في الثامنة عشرة الآن.
لكن الحقيقة أنّ حياتي انتهت مرّةً بالفعل… حين كنت في السادسة.في تلك الليلة الممطرة من ليالي نوفمبر، خرج والداي من البيت ولم يعودا أبدًا.
سائق مخمور تجاوز الخط الفاصل، ومَحا وجودهما في ثوانٍ، كأنهما لم يكونا.
أتذكّر الكبار وهم يتهامسون في الزوايا، يخفّضون أصواتهم كلّما مررت بجوارهم، كلمات مثل إيداع، نظام، بيوت مؤقّتة كانت تطفو فوق رأسي كتهديدات لا أفهمها، لكنني أشعر بثقلها في صدري.

ثم وقف جدّي.

كان في الخامسة والستين.
يداه ترتجفان حين يغضب، وركبتاه تُصدران طقطقة حين ينهض.
ومع ذلك، ضړب بيده على الطاولة، ونظر إلى الجميع بعينين لا تعرفان التراجع، وقال:

«دي بتاعتي… وهترجع البيت معايا.»

لا نقاش.
لا أوراق.
لا تردّد.
فقط يقين.

منذ ذلك اليوم، صار كل شيء في حياتي.

أعطاني غرفته وانتقل هو إلى الغرفة الأصغر دون أن يذكر الأمر يومًا.
تعلّم كيف يجدل شعري من مقاطع يوتيوب مهتزّة، يعيد المقطع نفسه عشرات المرّات حتى استقامت أصابعه أخيرًا.
كان يجهّز لي الغداء، يوقّع استمارات الإذن، ويجلس على كراسٍ صُمّمت لأجساد أطفال في اجتماعات أولياء الأمور، كأن الألم في ركبتيه لا يعنيه.

لم يكن لدينا الكثير.

لا رحلات.
لا مطاعم.
لا هدايا مغلّفة بورق لامع.

كلما طلبت شيئًا إضافيًا، كان يبتسم برفق ويقول:

«مش قدّنا يا حبيبتي.»

كنت أكره الجملة دي.
كرهتها وأنا أرى الفتيات يأتين بملابس جديدة بينما أرتدي المستعمل.
كرهتها حين كنّ يبدّلن هواتفهن وأحمل أنا هاتفًا بشاشة متشققة.
كرهته لأنه قال «لا» كثيرًا… لدرجة أنني كنت أبكي في وسادتي ليلًا مقتنعةً أنه فقط لا يريد أن يعطيني أكثر.

لم أفهم وقتها كيف يبدو معنى الټضحية.

ثم مرض.

لو عجبتك نورني بصفحتى الكاتبه نرمين عادل همام

الرجل الذي حمل عالمي كله على ظهره لم يعد يستطيع صعود السلالم دون أن يتوقّف ليلتقط أنفاسه.
اختفت ضحكته.
ازدادت رجفة يديه.
ولأول مرّة أدركت أمرًا مرعبًا:

إن فقدته… فقدت كل شيء.

وعندما ماټ، ساد الصمت حياتي.

صمتٌ لم يكن غياب أصوات، بل غياب معنى.

توقّفتُ عن الأكل.
وتوقّفتُ عن النوم.
وصرتُ أعبر الأيام كأنني شبحٌ يسكن جسدًا نسيَ كيف يكون حيًّا.

بعد أسبوعين من الچنازة، رنّ هاتفي.
رقمٌ مجهول.
كدتُ أتجاهله، لكن شيئًا في صدري دفعني للرد.

جاءني صوت امرأة هادئ، بارد، واثق:

«اسمي السيدة سارة، من البنك، وباتصل بخصوص جدّك الراحل.»

تقلّص قلبي في صدري.
تلك الكلمة — البنك — كانت دائمًا مرادف الخۏف في بيتنا.

«جدّك لم يكن كما تظنين… وهناك أمور تستحقين أن تعرفيها.»

قلت بقلقٍ يتصاعد:

«يعني إيه؟ هو كان في ورطة؟ كان مديون؟»

«ما ينفعش نتكلم في التفاصيل في التليفون. تقدري تيجي النهارده؟»