فى حفل زفاف فخم


يذكرها بحذر حين وجده كان السوار متشابكا مع خصلة شعر سوداء طويلة وكانت الورقة تفوح منها رائحة خفيفة لأحمر الشفاه. وكان برنار يعتقد أن الأم كانت صغيرة السن جدا ربما أصغر من أن تقدر أو أشد وحدة من أن تحتفظ بطفل. ظلت هذه الفكرة ترافق إلياس كحلم ناقص لا يواسيه ولا يؤذيه بل يبقى بلا جواب.
ثم جاء شتاء اشتد فيه مرض مسيو برنار. فقد استقرت سنوات النوم في العراء عميقا في رئتيه وفي صباح ما لم يعد يستطيع التنفس دون ألم. نقل إلى مستشفى عام شاحبا يسعل وهو يضغط على يد إلياس فيما تغلق الأبواب خلفه. ومع غياب أي سند آخر بدأ الصبي يتسول أكثر من أي وقت مضى وكان الجوع أشد قسۏة الآن بعد أن صار وحيدا حقا متوفره على صفحه روايات واقتباسات وفي أحد الأيام بينما كان يقف قرب شارع مزدحم سمع الناس يتحدثون بحماسة عن حفل زفاف يقام في قصر قرب . كانوا يصفونه وكأنه حكاية خرافية أفخم احتفال في العام يفيض بالبذخ والترف. تألم معدته من الجوع وجف حلقه فانبثقت في داخله فكرة هادئة لعل هناك طعاما. ربما هذه المرة فقط يميل الحظ إلى جانبه.
توجه إلى المدخل ووقف بخجل إلى أحد الجوانب محاولا ألا يلفت الانتباه. في الداخل كانت الطاولات الطويلة تلمع تحت أضواء الكريستال مثقلة بكبد الإوز واللحوم المشوية والحلويات الرقيقة وكؤوس المشروبات الباردة. لاحظته مساعدة في المطبخ عند الحافة وكانت عيناه أكبر من عمره الصغير. رق قلبها له فناولته طبقا دافئا وهمست
اجلس هناك وكل بسرعة يا صغيري ولا تدع أحدا يراك.
شكرها إلياس بصوت خاڤت وأكل في صمت يتذوق كل لقمة وكأنها هدية من عالم آخر. وبينما كان يأكل راقب القاعة الموسيقى الكلاسيكية تملأ المكان والبدلات الأنيقة والفساتين التي تلمع كضوء النجوم. وتساءل بمزيج غريب من الأمل والخۏف هل تعيش أمي في مكان كهذا أم أنها فقيرة تكافح كما أكافح أنا
ثم رفع عريف الحفل صوته
أيها السادة والسيدات أرجو انتباهكم ها هي العروس.
تبدلت الموسيقى والتفتت الرؤوس كلها نحو الدرج المزين بالورود البيضاء. ظهرت ببطء ترتدي فستانا أبيض ناصعا وابتسامة هادئة مضيئة. انسدل شعرها الأسود الطويل في تموجات ناعمة على كتفيها وبدا وكأنها تشع تحت الأضواء. تنفس الجميع إعجابا.
أما إلياس فلم يتحرك. بقي جامدا وقلبه يخفق پعنف كأنه سيخترق صدره. لم يكن جمالها ما شده بل السوار في معصمها. أحمر. مجدول. قديم. مهترئ في المواضع نفسها تماما.
اختصر العالم كله في تلك التفاصيل.
تقدم مرتجفا وانفلت صوته متكسرا من حنجرته
سيدتي هذا السوار هل أنت هل أنت أمي
سقطت القاعة في صمت مذهول. استمرت الموسيقى لكن الأنفاس انحبست. توقفت العروس. ونظرت ببطء إلى معصمها ثم رفعت عينيها إلى الطفل الواقف أمامها.