فتحت وساده والد زوجها


اعتنيت بي اثنتي عشرة سنة دون أن تشتكي ودون أن تنتظري شيئا.
ضړبتني كلماته في أعماقي.
شعرت بثقل يسقط عن صدري وثقل آخر يحل مكانه ثقل الامتنان.
بكيت طويلا.
لم أبك على الذهب ولا على الدفاتر ولا على المال.
كنت أبكي على الإنسان الذي كان يرى في ما لم يره أحد.
أبكي على التقدير الذي كنت أظنه غائبا.
أبكي على الحب الأبوي الذي لم يعلن بصوت مرتفع لكنه عاش في كل فعل صغير منه وفي النهاية عاش داخل وسادة قديمة.
وفي اليوم التالي يوم دفنه كان الناس يتهامسون من جديد
وماذا كان يمكن أن يتركه إرنستو لم يكن لديه معاش ولا مال ولا شيء.
استمعت إليهم وابتسمت ابتسامة هادئة لم يكن فيها سخرية ولا ڠضب بل معرفة.
لأن أحدا منهم لم يكن يعرف الحقيقة
لم يعرفوا أنه ترك أكثر مما يتركه كثير من الأغنياء.
لم يترك أرضا ولا بيتا ولا حسابات مصرفية ضخمة
لكنه ترك شيئا لا يقدر بثمن
ترك امتنانه.
ترك ثقته.
ترك محبته الخالصة تلك التي لا تشترى.
ومنذ ذلك اليوم كلما وقع بصري على تلك الوسادة المهترئة شعرت بدفء يغمرني كما لو أن يدا خفية تربت على قلبي. لم تعد مجرد وسادة قديمة أصبحت صندوق ذاكرة نافذة صغيرة تفتح لي بابا على زمن كان فيه حاضرا بيننا يبتسم ابتسامته الهادئة التي كانت تكفي لتهدئ تعب يوم كامل.
أتذكر ملامحه حين كان يناديني بصوت خاڤت مليء بالطمأنينة كأن كلماته تملك قدرة على احتواء العالم. أتذكر صبره الطويل صبر رجل حمل أعباء حياة كاملة دون أن يشتكي ودون أن يدع بؤسه يرى في عينيه. كان دائما يقول لي لا شيء أثقل من القلب الحزين يا ألثيا لذلك احملي قلبك بخفة.
والعجيب أن كلماته تلك التي كنت أسمعها دون أن أفهم تماما معناها لم تدرك روحي قيمتها إلا بعد رحيله.
أتذكر قصصه التي كان يرويها لي في المساءات الطويلة قصصا عن شبابه عن أيام الحرث عن ليال قضاها تحت ضوء القمر يفكر ماذا سيقدم لأبنائه وكيف سيضمن لهم حياة أفضل من حياته. كانت حكاياته تحمل شيئا من الحكمة وشيئا من الندم وشيئا من الفخر مزيجا لا يصنعه إلا رجل عاش كثيرا وخسر كثيرا وأحب أكثر مما نعرف.
لم يكن مجرد والد زوجي كان أكثر من ذلك بكثير.
كان أبي الثانيالأب الذي لم تلده لي الحياة لكنها منحته لي في لحظة بدا فيها العالم قاسېا ومزدحما كأنها أرادت أن تقول لي ها هو قلب جديد لتحتمي به.
كان ظلا طيبا في البيت ورائحة ذكريات لا تتكرر وصدى خطوات يطمئنك بمجرد سماعه.
واليوم كلما مررت بزاوية الغرفة التي كانت سريره فيها شعرت بأنفاسي تتباطأ احتراما. لا يزال حضوره يسكن المكان لا تزال روحه تحفظ لنا سكون الأمسيات ولا تزال ابتسامته تلوح لي من بين الذكريات تذكرني بأن
الخير الذي يقدمه الإنسان لا يرحل برحيله.
وكل يوم أستيقظ فيه أجد نفسي أحاول أن أعيش بطريقة تشرف ذكراه وتكرم قلبه وتبقي إرثه حيا في داخلي. أحاول أن أكون صبورة كما كان طيبة كما كان ممتنة كما علمني أن أكون.
أحيانا حين أثقل بالمسؤوليات أتذكر كيف كان يواجه يومه بابتسامة بسيطة فأبتسم مثله.
وأحيانا حين أشعر بأنني وحيدة أنظر إلى الوسادة القديمة فأشعر بأنها تقول لي بصمت
أنا هنا ما زلت معك بطريقة ما.
أريد لإرثه ألا يبهت ألا يذوب ألا ينسى.
أريده أن يبقى حيا في تفاصيل حياتي الصغيرة في الكلمة الطيبة وفي الصبر على المشقة وفي الاحترام الذي أقدمه للأكبر سنا وفي الرضا الذي أزرعه في قلبي كلما ضاقت الدنيا.
وهكذا
لا ېموت الذين أحببناهم بصدق.
إنهم يتحولون إلى نور خاڤت مرافق إلى قوة لا ترى إلى ذكرى تلمع في أحلك الأيام.
وهو ما زال يرافقني عبر وسادة ممزقة حملت أكثر مما توقعت في يوم من الأيام.