المربيه والمائده


أنه من دونك عاد عالمي فارغا مثل أنني أحبك.
توقفت لورا عن السير. أنت لا تحبني. تحب فكرة وجودي فكرة وجود من يعتني بصوفيا ويجلب الدفء إلى بيتك البارد ويجعلك تشعر أنك إنسان مجددا. لكن حين تصدمك الحقيقة حين تدرك أنني لست مشروع خيرية بل إنسانة حقيقية بمشاكل حقيقية وحياة معقدة ستتعب مني. قال هل تؤمنين حقا بذلك قالت أنا أؤمن بما علمتني الحياة أن أشخاصا مثلك وأشخاصا مثلي لا يبقون معا أن القصص الخيالية لا وجود لها وأن علي حماية نفسي قبل فوات الأوان. لذلك أسامحك إن لم أستطع تحمل مخاطر رومانسية. آسفة إن احتجت أن أكون عملية. آسفة إن لم أستطع تصديق الوعود. قال إذن لن أعدك بشيء. سأريك. ماذا تريك أنني مستعد أن أخسر كل شيء من أجلك أن أواجه عائلتي وشركتي وعالمي كله أن أختارك في كل يوم وفي كل مرة أختارك أنت.
قالت بمرارة تقول هذا الآن. لكن حين تسوء الأمور... قاطعها حين تسوء الأمور سأواصل اختيارك. انهمرت دموعها. لماذا تفعل هذا لماذا لا تستسلم أجاب بهدوء حاسم لأنك تستحقين القتال لأجلك. لأن صوفيا تستحق أن نقاتل لأجلها. لأنني للمرة الأولى في حياتي وجدت شيئا حقيقيا ولن أسمح للخوف أن يدمره.
قالت بصوت متكسر وماذا لو لم ينجح الأمر أجاب وماذا لو نجح تقدم خطوة وقال لورا أعلم أنني خطړ أعلم أنني أجيء ومعي تعقيدات. أعلم أن الطريق لن يكون سهلا لكنني أعلم أيضا أن ما أشعر به نحوك حقيقي وأعلم أنك تشعرين بشيء أيضا. فامنحيني فرصة واحدة فقط فرصة لأثبت أن هذا يمكن أن ينجح.
أغمضت لورا عينيها تحارب الخۏف والمنطق وجميع الأصوات في رأسها التي تصرخ بأن ما تفعله جنون. لكنها فكرت في صوفيا في عينيها في ابتسامتها في الحب الذي نما بينهما وفكرت في أندريه في طريقة نظره إليها في هشاشته التي كشفها أمامها في شجاعته حين قرر أن يأتي إلى عالمها. أدركت أن الحياة أحيانا لا تكون إلا مسألة شجاعة أن تختار الحب بدل الخۏف حتى حين يبدو ذلك مستحيلا.
فتحت عينيها وقالت بصوت خاڤت فرصة واحدة فقط واحدة. وإن چرحتني وإن جرحت صوفيا قال لن أفعل. أعدك أن أبذل كل ما في وسعي ألا أجرحكما. قالت المحاولة ليست ضمانا. قال لا شيء في الحياة مضمونا يا لورا. لكن هذا لا يعني أنه لا يستحق المحاولة. تنفست بعمق وقالت حسنا فرصة واحدة. ابتسم وكان ابتسامته كطلوع الشمس في منتصف الليل. شكرا. لن ټندمي. همست سنرى. لكن حتى وهي تقول ذلك ومع كل هذا الخۏف شعرت بشيء لم تشعر به منذ سنوات الأمل.
كانت الأيام الأولى غريبة. عادت لورا إلى القصر لكن ليس كمربية أصر أندريه على ذلك. ماذا ستكون إذن حبيبة شريكة لم يكن لدى أحدهما الكلمات المناسبة. أما صوفيا فلم تكن بحاجة للكلمات. حين رأت لورا على الباب ركضت إليها وعانقتها وهي تبكي من الفرح. لقد عدت. حقا عدت. قالت لورا عدت يا حبيبتي. هل ستبقين للأبد نظرت لورا إلى أندريه فوق رأس الصغيرة وقالت سأبقى ما استطعت. وذلك في تلك اللحظة كان كافيا.
لكن العالم الخارجي لم يكن حنونا. قطعت بياتريس ومارسيلا علاقتهما بأندريه مكالمات لا تجاب دعوات عائلية تلغى صمت بارد كان يؤلم أكثر مما ظن. بدأ شركاؤه في الشركة يطعنون في قراراته اجتماعات مشحونة نظرات استنكار تقول أكثر من الكلمات. أحدهم لمح بوقاحة إلى أن خياراته الشخصية تسيء إلى صورة الشركة. خسر أندريه ثلاثة عقود كبيرة خلال أسبوعين مع شركات تجمع بينها علاقات مباشرة أو غير مباشرة بعائلته أو بدائرة أمه.
كانت الضړبة المالية مؤلمة لكنه لم يتراجع. في اجتماع مجلس الإدارة واجههم بوضوح إن كان لديكم مشكلة مع من أحب فربما حان الوقت لتراجعوا إن كنتم تريدون الاستمرار في العمل معي لأنني لن أغير ولن أخفي ولن أتظاهر بأن لورا ليست مهمة بالنسبة إلي. قرروا إما البقاء أو الرحيل. لكن لن أقبل المزيد من الإيحاءات أو الأحكام المسبقة. ساد الصمت. ثم وقف أحد الشركاء القدامى السيد ريبيرو رجل في السبعين من عمره وقال أندريه لقد عرفتك منذ كنت طفلا. رأيتك تبني هذه الشركة من لا شيء بعد ۏفاة والدك. رأيتك تتجاوز طلاقا مدمرا رأيتك تقاتل من أجل ابنتك. وفي كل هذه السنوات لم أرك حيا كما أنت الآن. فإذا كانت هذه المرأة تفعل ذلك بك فلها احترامي ودعمي. تبعه آخرون في التأييد ليسوا جميعا لكن عددا كافيا. خرج أندريه من الاجتماع وهو يعلم أنه كسب معركة لكن الحړب لم تنته بعد.
أما لورا فقد واجهت معاركها الخاصة. كانت أمهات زميلات صوفيا ينظرن إليها بنظرات مغموسة بالاحتقار المتواري همسات في الممرات عيون تلمح وتلمز. إحداهن سألتها بجرأة فجة وعلى مسمع من الأخريات إن كانت قد تعلمت فن اصطياد الأثرياء من خادمات أخريات. شعرت لورا بالإهانة تلسعها وقبل أن ترد قطع الموقف بصوت آخر.
اقتربت امرأة أنيقة في الأربعينيات من عمرها هي هيلينا موريرا والدة إحدى صديقات صوفيا وزوجة قاض مهم وقالت عذرا كيف تجرؤين أن تتحدثي بهذه الطريقة عن شخص لا تعرفينه أنا أعرف لورا وأعرف عملها مع صوفيا وأستطيع أن أؤكد أن لديها من الكرامة في أصغر إصبع من يدها أكثر مما لديك في جسدك كله. شحب وجه المرأة الأخرى وتراجعت بسرعة. مدت هيلينا يدها إلى لورا قائلة لا تهتمي بتلك الأفاعي. هن يحسدنك لأنك حصلت على شيء لم تحصل عليه أي منهن قلب رجل صالح حقا لا بدافع المصلحة. همست لورا شكرا لك. قالت على الرحب. وإن احتجت إلى صديقة يمكنك الاعتماد علي. كان تصرفا بسيطا لكنه عنى للعورا العالم.
بمرور الوقت بدأت لورا تجد مكانها لا كمربية ولا كدخيلة بل كذاتها. بدأت تدرس في الليل تلتحق بدورة في التربية عن بعد. أصر أندريه على دفع الرسوم لكنها أصرت أن تدفع من مالها احتاجت أن تفعل ذلك بنفسها من أجلها. تزدهر صوفيا شيئا فشيئا تحسنت درجاتها عاد إليها الضحك صارت تحلم تخطط تضحك من قلبها. وأندريه كان يتعلم أخيرا كيف يكون أبا بحق قلص ساعات عمله بدأ يأخذ صوفيا من المدرسة يتناول العشاء معهما كل ليلة يقرأ القصص قبل النوم حاضرا حيا.
في ليلة بعد ثلاثة أشهر من عودة لورا كان الثلاثة في غرفة المعيشة صوفيا ترسم على الأرض لورا تقرأ كتابا وأندريه يعمل على حاسوبه المحمول. مشهد عادي منزلي بسيط لكنه كامل. فجأة رفعت صوفيا رأسها وقالت لورا. نعم يا حبيبتي هل ستصبحين أمي الحقيقية يوما ما شعرت لورا بقلبها ينقبض. نظرت إلى أندريه الذي كان قد توقف عن الكتابة. لا أعرف يا صوفيا. الأمر معقد. لماذا هو معقد أنت تحبيني أليس كذلك وأبي يحبك. ماذا ينقص بعد
نهض أندريه وتقدم نحوهما. معها حق ماذا ينقص جثا أمام لورا وأخرج من جيبه علبة صغيرة. شعرت لورا أن الهواء يختفي من رئتيها. قال أعلم أن الوقت مبكر وأعلم أننا ما زلنا نتعلم كيف نجعل هذا يعمل وأعلم أنك خائڤة لكنني أعلم أيضا أنني أحبك. أعلم أن صوفيا تحبك. أعلم أنه حين أفكر في المستقبل أراك فيه دائما. فتزوجيني. ليس لأن ذلك متوقع ولا لأنه مريح بل لأنني لا أستطيع تخيل حياتي بدونك.
فتح العلبة فظهر خاتم بسيط رقيق بحجر ماسي صغير. ليس مبهرجا ولا مبالغا فيه إنه فقط حقيقي مثلنا. نظرت لورا إلى الخاتم ثم إلى أندريه ثم إلى صوفيا التي كانت عيناها تلمعان تأثرا. ولأول مرة منذ سنوات سمحت لنفسها أن تصدق تصدق أنها تستحق أن تحب أن تستحق أن تكون سعيدة أن القصص السعيدة قد تحدث لا بشكل مثالي كما في الكتب بل بشكل غير كامل وجميل كما في الحياة الحقيقية.
همست والدموع تنساب نعم. ثم بصوت أعلى نعم أوافق. صړخت صوفيا من الفرح وقفزت في أحضانهما. وفي وسط تلك الغرفة تعانق الثلاثة عائلة غير متوقعة عائلة يقول العالم إنه لا ينبغي أن توجد لكنها وجدت وكانت حقيقية وكانت تخصهم وحدهم.
كان حفل الزفاف بسيطا بلا بهرجة على شاطئ البحر عند الغروب مع الأشخاص الذين يهمون حقا فقط. كانت دونا سيليا هناك أكثر صحة بفضل العلاج الذي استطاعت أخيرا تحمله. كانت هيلينا وزوجها هناك ودونا روزا الطباخة والسيد ريبيرو وبعض الزملاء الأوفياء وصوفيا وصيفة شرف ترتدي فستانا أبيض وابتسامة تضيء أكثر من الشمس.
حين تبادل أندريه ولورا عهودهما لم تكن هناك أكاذيب ولا وعود مستحيلة بل حقيقة فقط. قال لها أعدك أن أحبك في الأيام السهلة وفي الأيام الصعبة. أعدك أن أحترمك وأن أقدرك وأن أحميك. أعدك أن أكون شريكك وصديقك وملاذك الآمن. وأعدك ألا أنسى أبدا من أين جئنا وكم ناضلنا لنصل إلى هنا. ردت بكلمات مشابهة صوتها يرتجف لكنه ثابت. وعندما قال المأذون إن لهما أن يتبادلا العهود كان ذلك العهود حلوة رقيقة مليئة بوعود .
ركضت صوفيا نحوهما فحملها أندريه في ذراعيه واحتضنهم الثلاثة ولم يكن في تلك اللحظة سوى حب صاف حقيقي.
بعد ستة أشهر من الزواج افتتحت لورا وأندريه معهد ماريا لويزا تكريما لابنة لورا التي فقدتها مؤسسة مخصصة لمساعدة الأمهات في أوضاع صعبة تقدم دور حضانة ودورات تدريب مهني ودعما نفسيا وفرص عمل. كانت لورا تشرف بنفسها على كثير من المشاريع مستعملة قصتها لتلهم نساء أخريات وترى في عيون كل أم تجد عملا تستعيد قدرتها على إعالة أطفالها وتجرؤ على الحلم من جديد صورة ماريا لويزا. كانت ابنتها حاضرة في كل حياة تتغير في كل طفل ينقذ في كل عائلة تبنى من جديد.
بعد عام من الزواج في يوم أحد مشمس خرج أندريه ولورا وصوفيا في نزهة إلى الحديقة لا شيء مبالغا فيه مجرد شطائر وعصير وفاكهة وغطاء مفروش على العشب وضحكات ولعب. كانت صوفيا تجري خلف الفراشات ولورا وأندريه ممدين جنبا إلى جنب متشابكي الأيدي يراقبان الغيوم. سألها هل أنت سعيدة أجابت أكثر مما ظننت أنني سأكون يوما. قال وأنا كذلك. عادت صوفيا راكضة وألقت بنفسها بينهما لقد وجدت ورقة على شكل قلب. إنه علامة! سألتهما علامة على ماذا يا حبيبتي أجابت بثقة طفولية كاملة علامة على أننا سنبقى معا إلى الأبد. قبلت لورا جبينها وقالت إلى الأبد كلمة كبيرة. ردت صوفيا فورا إذن إلى الأبد ويوم آخر. ضحك أندريه وضم الاثنتين إلى صدره.
هناك في وسط حديقة عادية بلا رفاهية ولا أضواء ولا كاميرات فقط ثلاثة أشخاص يحبون بعضهم حبا حقيقيا وصلت قصة لورا وأندريه إلى نهايتها نهاية ليست كاملة لأن الحياة لا تكون كاملة أبدا لكنها نهاية حقيقية صادقة واقعية. وأحيانا يكون ذلك أفضل من ألف حكاية خيالية لأن قصص الحب الحقيقية لا تحدث في القصور ولا في الحفلات الباذخة بل في غرف المستشفيات وفي أحاديث آخر الليل وفي الإيماءات الصغيرة الشجاعة وفي القرارات الصعبة وفي الخسارات والبدايات الجديدة.
تحدث عندما يقرر شخصان مجروحان أن يشفيا معا. عندما تعلم طفلة الكبار ما هو مهم حقا. عندما ينتصر الحب على الخۏف وتنتصر الحقيقة على المظاهر وتنتصر الشجاعة على التحيز وعندما يرى أخيرا شخص قضى حياته كلها غير مرئي يرى حقا.
وهل حكمت يوما على أحد من مظهره وهل حكم عليك هل امتلكت شجاعة أن تحب رغم الخۏف هل اخترت الحقيقة بدل الراحة شاركنا قصتك في التعليقات. قل لنا ماذا أيقظت هذه الحكاية في داخلك وما الذي لمسته في قلبك. إن لامست هذه القصة قلبك وإن جعلتك تفكر وإن جلبت لك دمعة أو ابتسامة فلا تنس أن تشترك في القناة وأن تفعل جرس التنبيهات حتى لا تفوتك قصص أخرى ستجعلك تفكر في ما يهم حقا في الحياة.
ففي النهاية كلنا نطلب الشيء نفسه أن نرى وأن نحب وأن نقبل كما نحن حقا.