طرد زوجته وابنائه الخمسه


وفي اليوم الذي علم فيه أن زوجته السابقة تزوجت من جديد
أحس كأن قلبه ينتزع من صدره.
وقف أمام المرآة رأى رجلا لا يعرفه
وجه شاحب شعر أشيب وعيون فقدت بريقها. 
قال لنفسه وهو يبتسم بمرارة
يستاهل يا جورج... كنت فاكر نفسك راجل طلعت ولا حاجة.
في تلك الليلة قرر أن يعود إلى القصر القديم الذي تركه منذ سنين
مجرد زيارة... أو ربما وداع أخير.
الجزء الثالث العودة إلى القصر
بعد أكثر من عشرين عاما عاد جورج إلى المدينة التي تركها خلفه
يحمل حقيبة قديمة ووجها أثقلته الندوب والزمن.
كان الشتاء في ذروته والريح تعصف كأنها تذكره بكل ما خسره.
حين وصل إلى البوابة الحديدية للقصر توقف طويلا.
كانت الصدأ يغطيها والعشب البري يملأ الحديقة
لكن رغم الخړاب ظل المكان يحتفظ بشيء من الماضي 
كأن الجدران نفسها تتنفس الذكريات.
مد يده المرتجفة وفتح الباب بصعوبة.
صوت المفصلات الصدئ صړخ في صمت الليل.
تقدم بخطوات بطيئة إلى الداخل والبرد ينهش عظامه.
كل شيء كان كما تركه تقريبا...
الموقد الحجري اللوحات على الجدار
لكن فوق الطاولة وضعت صورة قديمة  
صورة له مع زوجته وأطفاله.
اقترب منها ببطء ولمسها بأطراف أصابعه المرتعشة وقال هامسا
يا مارغريت... يا ولادي...
وفجأة سمع خلفه صوت خطوات.
تجمد في مكانه.
استدار ببطء وإذا برجل في منتصف العمر يقف عند باب القاعة
ينظر إليه بدهشة ممزوجة بالحذر.
قال الرجل بصوت ثابت
مين حضرتك
بتعمل إيه هنا
تلعثم جورج وهو يحاول أن يتحدث
أنا... أنا صاحب البيت ده... كنت...
قاطعه الرجل بسرعة
البيت ده مش بتاعك من سنين إحنا اشتريناه من الست مارغريت.
تجمدت الكلمات على لسانه.
همس كأنه لا يصدق
مارغريت... لسه عايشة
رد الرجل بهدوء
كانت... توفت من كام سنة الله يرحمها.
بس سابت البيت ده لينا بعد ما بعته زمان.
قالت إنها مش عايزة تشوفه تاني ولا تفتكر أيامه. 
جلس جورج على أقرب كرسي ورأسه بين يديه.
اڼفجرت الدموع من عينيه بعد سنين من الجفاف.
همس بصوت مبحوح كأنه يعترف أخيرا
ضيعت كل حاجة بإيديا... كنت أملك الجنة ورميتها بإيدي.
اقترب الرجل منه وقال بلطف
إنت مين بالظبط
رفع جورج رأسه ونظر إليه نظرة طويلة ثم قال
أنا الچرح اللي عمل فيها كده.
صمت لحظة ثم وقف ببطء واتجه نحو الباب.
قبل أن يخرج ألقى نظرة أخيرة على البيت وقال
وداعا... يا كل حياتي اللي راحت.
وخرج يمشي في المطر الغزير دون مظلة
كأنه يغتسل
من خطاياه الأخيرة.
ولم يره أحد بعدها قط.
الخاتمة ثمن الكبرياء
مرت سنوات بعد ذلك وظل الجيران يروون قصته كأنها أسطورة حزينة.
يقول البعض إنهم رأوه في الكنيسة الصغيرة على أطراف المدينة
جالسا في الصف الأخير رأسه منحن يبكي في صمت.
ويقول آخرون إنه غادر البلاد تماما
بحثا عن غفران لا يعرف أين يجده.
لكن الحقيقة الوحيدة التي بقيت هي هذا البيت 
ذلك القصر الذي كان شاهدا على حب جميل
ثم على كبرياء دمر كل شيء.
كان الناس يمرون أمامه ويتساءلون
كيف يمكن لإنسان أن يمتلك كل هذا ثم يرميه بيده
البيت ظل صامتا
لكن الريح التي تمر بين جدرانه كل شتاء
تشبه صوت رجل نادم يهمس للعابرين
احفظوا من يحبكم...
قبل أن يأتي يوم تكتشفوا فيه أن الأوان قد فات.. النهاية